|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

حامد الضبياني
2026 / 6 / 19
في كل مرة أنظر فيها إلى وجهي في المرآة، لا أبحث عن ملامحي بقدر ما أبحث عن هويتي، فأقف طويلًا أمام انعكاس رجلٍ لا يعرف إن كان قد وُلد في وطنه أم أُلقي فيه كما تُلقى الحجارة على قارعة الطرق، حتى صرت أتساءل بصوت لا يسمعه أحد: هل أنا عراقي حقًا، أم أنني مهاجرٌ نسي جواز سفره في حدود الحياة؟ أأنا ابن هذه الأرض التي حفظت أسماء أجدادي، أم مجرد غريبٍ يحمل شهادة ميلاد لا تعترف بها الأيام؟ ولو كنت مهاجرًا من أقاصي أفريقيا أو من قرى الفلبين أو من جبال آسيا، أكان وجعي سيختلف؟ بل لعلني كنت سأعيش حياةً أكثر رحمة من تلك التي يعيشها رجلٌ ولد هنا، وشرب ماء هذه الأرض، وحلم تحت سمائها، ثم استيقظ ليجد نفسه مطاردًا بالفقر، وملاحقًا بالحاجة، ومنفيًا داخل حدود وطنه.إن أكثر أنواع الغربة قسوة ليست أن تعبر الحدود، وإنما أن تبقى فيها، وأن تحمل هويةً لا تمنحك سوى الانتظار، وأن يكون الوطن هو المكان الوحيد الذي يحتاج فيه أبناؤه إلى إثبات أنهم يستحقون الحياة، بينما تُفتح الأبواب لغيرهم من أصحاب المصالح والسلطات والامتيازات، فلا يعود السؤال: من أين أتيت؟ بل يصبح السؤال الأكثر مرارة: لمن تنتمي هذه البلاد حقًا؟ للذي تعب من أجلها أم للذي وجد فيها فرصةً للغنيمة؟
أمشي في الشوارع فأرى الوجوه تشبه الخرائط التي مزقتها الحروب، وأسمع أصوات الأطفال فتبدو كأنها استغاثات خرجت من بطون التاريخ، وأتساءل: كيف يستطيع وطنٌ يطفو فوق بحارٍ من الثروات أن يغرق أبناؤه في مستنقعات الفاقة؟ كيف يمكن للأرض التي تُقال عنها إنها غنية أن تجعل أبناءها يحسبون ثمن الرغيف قبل أن يحلموا بثمن البيت؟ وكيف صار الإنسان في وطنه يبحث عن سقفٍ يؤويه، بينما الأموال تبني قصورًا لا يعرف أصحابها عدد غرفها، وتُدفن الثروات في أماكن لا يصل إليها إلا الصمت؟.. لقد صار البيت حلمًا أكبر من العمر، والعمل معركةً يومية مع الجوع، والمرض امتحانًا لا ينجح فيه إلا من يملك ثمن العلاج، أما الفقير فقد كُتب عليه أن يفاوض الألم حتى آخر نبضة في قلبه، ثم يموت وهو يعتذر لأنه لم يستطع شراء دوائه. وهكذا يتحول الوطن من حضنٍ إلى امتحان، ومن ذاكرةٍ إلى سؤال، ومن أمٍّ إلى دائرة انتظار لا تنتهي.وأحيانًا أضحك من شدة المأساة، لأن الواقع تجاوز قدرة الخيال على الكتابة، ولو أن روائيًا كتب ما نعيشه اليوم لقيل له: لقد بالغت، ولو أن شاعرًا أنشد هذه الحكاية لاتُّهم بأنه ينسج أوهامًا سوداء، ولو أن فيلسوفًا وصف هذا المشهد لقيل إنه متشائم، بينما الحقيقة أكثر قسوة من كل الروايات، وأكثر مرارة من كل القصائد، لأن الخيال يرحم أبطاله في النهاية، أما الواقع فلا يمنحهم حتى حق النهاية.لقد أصبح الفقير يرى الثروة كما يرى المسافر السراب، يسمع عنها ولا يلمسها، ويقرأ أرقامها في الأخبار، لكنها لا تعبر عتبة بيته، وكأن المال يولد في وطنٍ آخر، وكأن النفط يستخرج من أرضٍ لا يعيش فوقها الفقراء، وكأن الأنهار لا تجري إلا لتروي حدائق الأقوياء، أما أبناء البلاد فقد صار نصيبهم من كل تلك الخيرات هو الانتظار الطويل، حتى أصبح الانتظار نفسه وظيفةً وطنية لا تحتاج إلى شهادة.إن المأساة ليست في أن يوجد لصوص، فالتاريخ عرف اللصوص منذ بدأت المدن، وإنما الكارثة حين يصبح اللص أكبر من القانون، وأطول من العدالة، وأغنى من الوطن، فيتحول المال العام إلى غنيمة خاصة، ويتحول المواطن إلى متفرجٍ يشاهد ثروته وهي تغادر أمام عينيه، ثم يُطلب منه بعد ذلك أن يكون صبورًا، وأن يصفق للوطن، وكأن الوطنية تعني أن تصمت أمام الجوع، أو أن تبتسم للفاقة، أو أن تقنع أبناءك بأن الكرامة تكفي عوضًا عن الخبز.لقد تعلمت أن الوطن ليس خارطةً معلقة على الجدار، ولا نشيدًا يُردد في المناسبات، ولا علمًا يرفرف فوق المباني، وإنما الوطن هو أن يشعر الإنسان بأنه ليس غريبًا في بيته، وأن يجد دواءه حين يمرض، وعمله حين يحتاج، وسقفًا يأويه حين تتعبه الحياة، وأن يكون القانون أقوى من النفوذ، والعدالة أعلى من المصالح، والإنسان أغلى من الثروة.لكن ماذا يحدث حين تنقلب المعادلة؟ حين يصبح المواطن آخر من يفكر فيه الجميع، وأول من يُطلب منه أن يضحي؟ حين يُقال له: اصبر، بينما غيره لا يعرف معنى الصبر؟ حين يُطلب منه أن يحب وطنًا لا يمنحه إلا الخوف، وأن يدافع عن أرضٍ لا يجد فيها مكانًا يدفن فيه أحلامه؟
وهنا لا يعود السؤال سياسيًا ولا اقتصاديًا، بل يصبح سؤالًا فلسفيًا عاريًا من كل الزينة: ما قيمة الوطن إذا فقد الإنسان فيه شعوره بالانتماء؟ وهل تُقاس الأوطان بعدد آبار النفط أم بعدد القلوب التي ما زالت تؤمن بها؟ وهل يمكن للإنسان أن يبقى وفيًا لأرضٍ لا تزال تؤجّل حقه في الحياة عامًا بعد عام؟.. إنني لا أبحث عن وطنٍ كامل، فالكمال لم يسكن أرضًا قط، لكنني أبحث عن وطنٍ لا يجعل أبناءه يشعرون أنهم غرباء، ولا يضطرهم إلى مقارنة أنفسهم بكل عابر سبيل، ولا يجعلهم يتساءلون في نهاية كل يوم: لماذا أصبحنا نحن أصحاب الأرض أقل حظًا من كل من مرّ بها؟.. ورغم كل هذا الخراب، يبقى في داخلي شيءٌ صغير يرفض الموت، ربما هو الأمل، وربما هو عناد العراقي الذي تعلّم من دجلة والفرات أن الماء قد ينحسر لكنه لا ينسى طريقه، وأن الليل مهما طال لا يستطيع أن يمنع الفجر من المحاولة، وأن الشعوب قد تتعب لكنها لا تفقد حقها في الحلم، لأن الوطن الحقيقي لا يموت حين تُنهب أمواله، بل يموت حين يفقد أبناؤه إيمانهم بإمكانية إصلاحه.ولهذا ما زلت كل صباح أسأل نفسي السؤال ذاته: هل أنا عراقي؟ ثم أبتسم بحزن، وأجيب: نعم... أنا عراقي، ولذلك أشعر بكل هذا الألم، لأن الذي لا ينتمي لا يتوجع، أما الذي أحب الأرض حتى وهو جائع، وتمسك بها حتى وهو مشرد، وظل يحلم بها وهي تؤلمه، فهو وحده من يعرف أن الوطن ليس مجرد مكان نعيش فيه، بل جرحٌ عظيم نسكنه، ونظل نرجو أن يأتي يومٌ يلتئم فيه، ليصبح الوطن بيتًا لجميع أبنائه، لا حلمًا مؤجلًا في ذاكرة المنسيين.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |