كِتاب الأشرار والطغاة والمستبدين (3) نصائح جهنمية

عبدالله عطوي الطوالبة
2026 / 6 / 19

في هذه الحلقة نضئ على "نصائح" عديدة للأمير من مكيافيلي، خلال فترة قلقة في تاريخ إيطاليا تميزت بالإضطرابات الداخلية، والتعرض لغزوات توسعية فرنسية. الكثير من هذه النصائح تُظهر القارئ على أسباب اهتمام المستبدين والطُّغاة بكتاب الأمير، واهتمام الأنظمة الدكتاتورية المتسلطة بمضامينه.
يفتتح مكيافيلي الكتاب بتناول أنواع الحكومات، فكل الدول كما يقول، تمارس السلطة وتسيطر على الشعوب. وهي، أي الدول، إما جمهوريات أو ممالك. هذه الأخيرة، إما تكون وراثية، حكامها من أسرة واحدة تستمر في الحكم لسنوات طويلة، أو ممالك حديثة النشأة. وقد تكون انضمت حديثًا كأجزاء جديدة، تُضاف إلى ممتلكات الأمير الموروثة، مثل مملكة نابولي في عهد ملك اسبانيا. الممالك من هذا النوع إما أنها في حوزة أمير آخر، أو كانت حُرة ضمها الأمير بالقوة إلى مُلكهِ، أو إلى أمراء آخرين وآلت إليه من بعدهم، أو أن القَدَرَ ساقها. وقد يتمكن الأمير من ذلك بقدراته الخاصة. للتذكير، مكيافيلي يتحدث عن ظهور الدول وتشكُّل الممالك في ظروف زمانه.
يتوقف مكيافيلي عند الوصول إلى العرش في مملكة وراثية اعتاد أهلها على الأسرة المالكة، وكيفية بسط السيطرة على الممالك الجديدة. هنا، يُذكِّر مكيافيلي الأمير وينصحه بالقول: "الأمير الشرعي المحبوب من شعبه، الذي لا توجد له رذائل مفضوحة أمام الناس لا يحب شعبه أن يتخلص منه، بل على العكس يتمسك به، ويتناسى دواعي تغيير الحاكم وأسبابه". أما في الممالك المختلطة، أي الناشئة كما التي أضأنا عليها قبل قليل، فالناس فيها يُذعنون لسادتهم بإرادتهم على أمل تحسن أحوالهم، بحسب مكيافيلي. وبحسبه أيضًا، فإن هذا الإذعان، لن يتلبث طويلًا حتى يتحول إلى سبب اضطراب وحمل سلاح ضد الحكام إذا لم يتحقق للمُذعنين ما تأملوا وأرادوا، حيث سيتخلق لديهم انطباع بأنهم خُدِعوا بدليل أن أحوالهم لم تتحسن بل تذهب من سئ إلى أسوأ.
وينتج عن هذه الحالة (الإضطراب وحمل السلاح ضد الحاكم) وقوع الضرر على كل من ساعد الأمير في السيطرة على مملكته، بدءًا بالجنود وصولًا إلى المساعدين، ناهيك بالعوائق أمام احتلال أراضٍ جديدة. بهذا الشأن، يخاطب مكيافيلي الأمير من موقع النُّصح قائلًا: "هكذا يتحول كل من أُصيب في معركة خُضتها للسيطرة على الأرض إلى عدو لك، ولن تستطيع الحفاظ على صداقة من ساعدوك للحصول على هذا الجزء من المملكة، كما لن تستطيع تحقيق ما يتمنونه ولا أن تُطبق عليهم قوانين صارمة، لأنك مُرغم على الإعتراف بجميل مساعدتهم لك. لهذا السبب، فإنك على أية حال أيها الأمير ستكون في حاجة دائمة إلى حب الناس حتى السيطرة على بلادهم مهما كانت قوة جيوشك".
في هذا السياق، يستحضر مكيافيلي مثال ملك فرنسا، لويس الثاني عشر. فعلى الرُّغم من قدرته على احتلال ميلان (مدينة إيطالية) بلا مشاكل، إلا أنه سُرعان ما فقد السيطرة عليها، حيث استطاعت قوات لودوفيكو (دوق ميلان 1494- 1500م) استعادتها بمفرده منه في المرة الأولى، لسبب رئيس وهو أن سكانها الذين فتحوا بواباتها لملك فرنسا بإرادتهم اكتشفوا انهم قد خُدعوا بآمال ووعود لم تتحقق ولم يحصلوا على أية ميزة توقعوها. في الإطار ذاته، يفترض مكيافيليي "أن الأقاليم التي تتمرد على أمرائها يصعب فقدانها بعد استعادتها، حيث يصبح الحاكم أكثر حرصًا على دعم موقفه ومعاقبة المتمردين وكشف المرائين وتقوية نقاط الضعف". يتدرج مكيافيلي في هذه الفكرة، مشيرًا إلى تجربة سقوط ميلان مرتين حتى يصل إلى نصيحة إجرامية يرى ضرورة الأخذ بها وعدم التردد بتطبيقها، لتجنب فقدان سيطرة الأمير على أجزاء من مملكته أو اقتطاع أجزاء منها، وذلك "بأن تُمحى الأسر التي كانت تحكمها من الوجود. أما بقية الشعب فسيظلون تحت إمرة الأمير الجديد ما لم يحدث ما يغير ظروف حياتهم السابقة أو يغير عاداتهم".
يأتي مكيافيلي على ذِكر أمثلة ولايات جديدة انضمت إلى فرنسا، في أزمنة مختلفة، فيتوسع في فكرته الجهنمية المذكورة، وينصح بها الأمير، إذ يقول: "من يسيطر على أراضٍ ويريد الاحتفاظ بها لا بد أن يضع في اعتباره أمرين، أولهما القضاء على الأسرة الحاكمة السابقة قضاءً مبرمًا، وثانيهما، عدم تغيير أية قوانين أو ضرائب خاصة بهذه البلاد. وبهذه الطريقة ستصبح جزءًا من الاتحاد في وقت قصير جدًّا، وتصبح الدولة كيانًا واحدًا".
ويضيف مكيافيلي جملة نصائح للأمير، تمكنه من بسط سيطرته على الأراضي المضمومة أو المنضمة حديثًا إلى مملكته، للتغلب على شعبها والحفاظ على وحدة الدولة بوجه عام.
أولى هذه النصائح، الإقامة في هذه الأراضي أطول مدة ممكنة. ومن أهم فوائدها أن رجال الأمير الرسميين سيسعدون بقربه منهم واتصالهم المباشر به، وبالتالي، سيجدون كثيرًا من الأسباب ليحبوه. ومن منهم ظل على ولائه القديم، أو انحاز ضد الأمير لسبب ما، فإن وجود الأمير بينهم سبب كافٍ للردع والخوف منه. كما أن إقامته في الأراضي المنضمة حديثًا، ستجعل أي قوى خارجية طامعة تهاب محاولة غزوها.
النصيحة الثانية، زرع أماكن مميزة منتقاة من الأراضي المنضمة حديثًا للمملكة بالمستعمرات، مع الاحتفاظ بأعداد كبيرة من القوات المسلحة فيها(الكيان الشاذ اللقيط يأخذ بهذه النصيحة).
النصيحة الثالثة، الإبقاء على المتضررين في الولايات الجديدة فقراء ومتفرقين (فرق تسُد، وجوِّع كلبك يتبعك)، والعمل على تهدئة الباقين، مع التلويح لهم باحتمال أن يلاقوا مصير المتضررين إن هم اعترضوا على سياسات الأمير.
النصيحة الرابعة موجهة لأي حاكم يبسط سيطرته على اقليم أخذه بالقوة، ومفادها أن يجعل الحاكم نفسه حاميًا لجيرانه الأقل قوة منه، وأن يسعى ما استطاع إلى ذلك سبيلًا إلى إضعاف الأقوياء منهم. (قادة الكيان الصهيوني تلاميذ مجتهدون في مدرسة مكيافيلي، في هذا الجانب أيضًا).
وعليه، أي الأمير، أن يحذر أي غزو أجنبي أقوى منه لجيرانه الضعفاء، لأنه سيجد مؤيدين له، بل هناك من سيدعوه للتدخل إما خوفًا أو طَمَعًا. في هذا السياق، يستحضر مكيافيلي قاعدة تقول:"إن أي أجنبي قوي يدخل إلى بلد يؤيده المستضعفون من أهله، مدفوعين بحقدهم على حكامهم". على أرضية هذه النصيحة، يستنبت مكيافيلي واحدة من صِنفها يدعو الأمير إلى ضرورة الأخذ بها:"على الأمير، أن يقبل انضمام الراغبين من أهل أي اقليم أجنبي يسيطر عليه إلى قواته الغازية بإرادتهم، وعليه في الوقت عينه أن يحذر من أن ينالوا سلطانًا كبيرًا أو قوة، بحيث يتمكن من سحقهم والسيطرة على الإقليم باستخدام قواته والموالين له، وإلا فسيواجه صعوبات كبيرة ومشكلات لا حصر لها".
النصيحة الخامسة، يحذر مكيافيللي الأمير من انتظار المخاطر تداهمه، فيصبح العلاج متأخرًا عن موعده وتستعصي العلة على العلاج.
(يتبع).

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن