ميزانٌ يختلُّ حين يُصبح الوفاءُ عبئًا.

حامد الضبياني
2026 / 6 / 18

ليس أكثر قسوةً على الإنسان من أن يكتشف، بعد عمرٍ طويلٍ من الخدمة، أن الزمن الذي منحه لوطنه قد أصبح رقمًا هامشيًا في دفاتر السياسة، وأن السنين التي أودعها في مؤسسات الدولة، والعرق الذي امتزج بتراب الأرض، والضرائب التي اقتُطعت من رزقه، والتضحيات التي حملها على كتفيه، جميعها لم تعد كافية لتمنحه شيخوخةً تليق بكرامته. فالمتقاعد لا يطلب من وطنه منحةً ولا صدقةً ولا فضلًا، وإنما يطالب بحقه الذي تكوَّن مع كل يوم عمل، ومع كل صباح خرج فيه ليؤدي واجبه، وهو يظن أن الدولة تحفظ الود كما تحفظ السجلات، وأن القانون لا يشيخ كما يشيخ البشر.إن السؤال الذي يفرض نفسه ليس: لماذا يطالب المتقاعد بزيادة راتبه؟ بل لماذا تتحول حقوقه، كلما طُرحت، إلى ساحة جدلٍ وتأجيلٍ واعتراض، بينما تمر ملفات أخرى بسرعةٍ تثير دهشة العقل وحيرة الضمير؟ ولماذا تبدو الحقوق المكتسبة وكأنها عبءٌ على الموازنة، في حين لا يثار الجدل ذاته حول أوجه إنفاقٍ أخرى يختلف العراقيون حول جدواها أو أولوياتها؟ هنا تبدأ الفلسفة في مساءلة السياسة، لأن السياسة التي تفقد معيار العدالة تتحول إلى إدارةٍ للأرقام، بينما تتحول حياة الإنسان إلى رقمٍ يمكن تأجيله أو اختزاله.لقد أثبت التاريخ أن الدول لا تُقاس بحجم بناياتها ولا بعدد بياناتها، وإنما بطريقة تعاملها مع من أنهوا أعمارهم في خدمتها. فحين يشعر المتقاعد بأن القانون الذي وُضع لحمايته يبقى حبرًا على ورق، تتولد في داخله قناعةٌ مريرة بأن المشكلة ليست في النصوص، بل في الإرادة التي تختار متى تطبق النص ومتى تتركه معلقًا بين الوعود والانتظار. إن القوانين التي تُشرَّع ثم تُعطَّل تفقد هيبتها، لأن العدالة المؤجلة ليست عدالةً كاملة، وإنما صورةٌ باهتة عنها.إن التضخم لا يسأل الإنسان عن انتمائه، وارتفاع الأسعار لا يفرق بين موظفٍ ومتقاعد، ولا بين أرملةٍ ووريثٍ ومستفيد. لذلك فإن المحافظة على القيمة الحقيقية للراتب ليست ترفًا اقتصاديًا، بل هي جوهر العقد الاجتماعي بين الدولة ومواطنيها. فإذا كانت المتغيرات الاقتصادية قد التهمت جزءًا كبيرًا من القوة الشرائية، فإن معالجة هذا الأثر ليست منةً من أحد، وإنما استجابةٌ للواقع الذي يعيشه الناس كل يوم.والسياسة التي تجعل الشيخ ينتظر حقه سنواتٍ طويلة، بينما يراقب اتساع فجوة الامتيازات في مجالات أخرى، تزرع في النفوس سؤالًا أخطر من الفقر نفسه: هل أصبحت خدمة الوطن أقل قيمةً من خدمة المصالح؟ وهل صار الوفاء للدولة استثمارًا خاسرًا؟ إن هذه الأسئلة لا تنشأ من الرغبة في الخصومة، وإنما من الإحساس بأن ميزان العدالة لا يستقيم إلا إذا خضع الجميع للمعايير نفسها، وإذا أصبحت الأولوية لمن أفنى عمره في خدمة العراق.ولا يمكن لأي دولة أن تبني ثقة مواطنيها إذا بقي المتقاعد يشعر بأن شيخوخته تُدار بمنطق الأرقام وحدها، بينما تُهمل كرامته الإنسانية. فالكرامة ليست بندًا ماليًا، بل هي أساس الاستقرار الاجتماعي، وهي الضمانة التي تجعل الأجيال الجديدة تؤمن بأن خدمة الوطن لن تنتهي إلى قلقٍ دائم على لقمة العيش.إن النقد لا يعني إنكار ما تحقق من إنجازات، كما أن المطالبة بالحقوق لا تعني معاداة الدولة، بل إن أقوى الدول هي تلك التي تسمع صوت مواطنيها قبل أن يتحول إلى صمتٍ مثقلٍ بالخيبة. والمتقاعد، في نهاية المطاف، ليس عبئًا على الموازنة، بل هو جزءٌ من ذاكرة العراق الحية، ورجلٌ حمل الدولة على كتفيه يوم كانت تحتاج إليه، ومن الوفاء أن تحمله الدولة اليوم حين أصبح بحاجةٍ إليها.إن العدالة لا تُختبر في لحظات القوة، وإنما في كيفية التعامل مع الضعفاء وكبار السن ومن انتهت قدرتهم على الكسب. وحين يُنصف المتقاعد، فإن الذي ينتصر ليس فردًا ولا فئةً اجتماعية، بل ينتصر القانون نفسه، وتنتصر فكرة الدولة التي لا تنسى أبناءها بعد أن يطويهم العمر. أما إذا بقيت الحقوق تنتظر أعوامًا أخرى، فإن الخسارة لن تكون ماليةً فحسب، بل ستكون أخلاقيةً وتاريخيةً، لأن الأمم التي تنسى من بنوا مؤسساتها تفتح بابًا واسعًا أمام فقدان الثقة بين الإنسان ووطنه، ولا يوجد وطنٌ قويٌ يستطيع أن يعيش طويلًا إذا انكسر هذا الجسر.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن