|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

حامد الضبياني
2026 / 6 / 18
في السياسة لا تكون الجنازات دائمًا نهاية الرجال، بل قد تكون بداية الأسئلة التي ظلت مؤجلة طوال حياتهم؛ فالزعيم لا يُقاس بطول موكب تشييعه، ولا بعدد الرايات التي تُرفع فوق نعشه، ولا بحجم الضريح الذي يُشاد له، وإنما يُقاس بما تركه خلفه من أوطان معافاة أو مدن مكسورة، ومن شعوب حرة أو شعوب أنهكها الفقر والخوف والانقسام. ولهذا فإن أي حديث عن جنازة شخصية سياسية مثيرة للجدل لا ينبغي أن يتحول إلى احتفال بالعاطفة أو إلى محاكمة تنطلق من الكراهية، بل إلى وقفة فلسفية أمام الإرث الذي يتركه أصحاب المشاريع الكبرى، لأن التاريخ لا يحفظ أسماء القادة بقدر ما يحفظ نتائج سياساتهم.إن الدولة التي يصبح فيها الإنسان أقل قيمة من الفكرة، ويصبح الوطن أقل قداسة من المشروع العابر للحدود، تتحول تدريجيًا إلى ساحة مفتوحة للصراعات لا إلى بيت لأبنائها. وهنا تبدأ المأساة؛ فحين تُستنزف ثروات الأمم في معارك النفوذ، ويُطلب من الفقراء أن يدفعوا ثمن الأحلام الإمبراطورية، يصبح السؤال الأخلاقي أكبر من كل الشعارات: لمن كانت هذه التضحيات؟ ومن الذي جنى ثمارها؟ وهل استطاع المواطن البسيط أن يجد في نهاية الطريق مدرسة أفضل، أو مستشفى أكرم، أو فرصة عمل تحفظ كرامته؟
لقد شهد الشرق الأوسط خلال العقود الماضية صراعات معقدة تشابكت فيها مصالح قوى إقليمية ودولية، وكان للولايات المتحدة وبريطانيا وإيران وغيرهما أدوار متفاوتة التأثير بحسب كل ساحة وظروفها. وهذه الوقائع محل جدل واسع بين الباحثين والمحللين، ولا يمكن اختزالها في سبب واحد أو طرف واحد، لأن الأزمات التي عاشها العراق وسوريا واليمن وأفغانستان نتجت عن تداخل عوامل داخلية وخارجية معقدة. ومع ذلك، فإن من حق الشعوب أن تُخضع جميع المشاريع السياسية للنقد، وأن تسأل عن نتائجها على حياة الناس، بعيدًا عن التقديس أو التخوين.والأمم لا تنهار فقط عندما تُحتل عسكريًا، بل قد تنهار أيضًا عندما يُعاد تشكيل وعيها بحيث تؤمن أن خلاصها لن يأتي إلا من وراء الحدود، وأن مستقبلها مرهون بإرادة الآخرين. عندها يفقد المواطن ثقته بدولته، وتتحول الهويات الوطنية إلى هويات متنازعة، ويصبح الانتماء للمشروع السياسي أعلى من الانتماء للأرض نفسها. تلك هي اللحظة التي تبدأ فيها الجغرافيا بالتمزق حتى وإن بقيت الخرائط كما هي.أما الأضرحة، فهي في أصلها جزء من تاريخ وثقافة دينية لدى بعض المجتمعات، ويتعامل الناس معها بطرق مختلفة تبعًا لمعتقداتهم وتقاليدهم. غير أن الفلسفة السياسية تظل تطرح سؤالًا مشروعًا: هل ينبغي أن تتحول رمزية الأشخاص بعد وفاتهم إلى مصدر جديد للسلطة أو النفوذ أو الموارد؟ إن هذا السؤال يتجاوز الأفراد إلى طبيعة العلاقة بين الذاكرة والسلطة، وبين الإيمان الشخصي والإدارة العامة.إن الشعوب التي دفعت أثمان الحروب والانقسامات لا تبحث اليوم عن مواكب جديدة، بل عن نهاية لدوائر الألم. فهي تريد أن ترى ثرواتها في مدارس وجامعات ومصانع ومستشفيات، لا أن تبقى رهينة صراعات النفوذ. والتاريخ يعلمنا أن كل مشروع سياسي، مهما بدا قويًا، يخضع في النهاية لحكم الناس وحكم الزمن؛ فإن ترك رخاءً وعدلًا بقي أثره، وإن ترك خرابًا وفقرًا، فإن أكبر المواكب وأضخم الشعارات لا تستطيع أن تمحو آثار ذلك الخراب من ذاكرة الأوطان.ولذلك فإن أعظم جنازة في التاريخ ليست تلك التي يحضرها الملايين، وإنما تلك التي يشيّع فيها الناس مرحلة كاملة من الخوف والانقسام والفساد، ويدفنون معها كل مشروع يجعل الإنسان وسيلة لا غاية، وكل سياسة تستهلك الأوطان باسم إنقاذها، وكل خطاب يقيس عظمة الزعيم بطول الموكب لا بكرامة المواطن. فالأوطان لا تحتاج إلى مزيد من القبور، بل إلى مزيد من الحياة، ولا تحتاج إلى صناعة الرموز بقدر حاجتها إلى صناعة الإنسان، لأن الإنسان الحر هو الضريح الوحيد الذي لا يسقط، والوطن العادل هو الذكرى الوحيدة التي لا تحتاج إلى تمثال.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |