|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

احمد كانون
2026 / 6 / 18
في كل يوم، نمرر هذه الكلمات البسيطة عبر شفاهنا عشرات المرات: "كيف حالك؟". نطرحها على عامل المقهى، وزميل المصعد، والغريب الذي اصطدمنا به صدفة في الشارع. لا نتوقع إجابة تفصيلية، وفي الغالب لا نملك الوقت لسماعها، وتكفينا كلمة "بخير" لنواصل طريقنا. لقد توقفت مؤخراً لأسأل نفسي: لماذا نلقي هذا السؤال على أشخاص لا نعرفهم؟ إن التأمل في هذا السلوك الروتيني المبتذل يكشف لنا أنه أبعد ما يكون عن البراءة أو السطحية؛ بل هو مسرحية إنسانية معقدة تلتقي فيها غريزة البقاء القديمة، بتعقيدات علم النفس، وعمق الفلسفة.
لو عدنا بالزمن إلى العصور الأولى، لكان لقاء الغريب في البرية يمثل لحظة مصيرية؛ فإما أن يكون حليفاً، أو منافساً، أو تهديداً مباشراً. من منظور علم النفس التطوري، هذه التحية العابرة هي في جوهرها أداة مسح رادارية سريعة. نحن نجبر الغريب على التحدث لنتمكن، في أجزاء من الثانية، من تحليل نبرة صوته ولغة جسده، ونقرر ما إذا كان مسالماً أم يضمر عدواناً.
إلى جانب ذلك، تعمل هذه الكلمات كشكل من أشكال التمسيد أو التهيئة الاجتماعية (Social Grooming). إنها إعلان شفهي خفي أقول فيه للآخر: "أنا أراك، أنا أعترف بوجودك، وأنا لست خطراً عليك؛ فهل أنت مستعد لتفاعل سلمي؟".
أما في عالمنا المعاصر والسريع، يخبرنا علم النفس الحديث أننا نستخدم هذه التحية كأداة لضبط إيقاع التفاعلات اليومية. إنها ما يُعرف لغوياً بـ التواصل الفاتي (Phatic Comm-union-)؛ أي الكلمات التي لا تهدف لنقل معلومات جديدة، بل لاختبار جودة الاتصال وتأكيد الوجود المشترك، تماماً كاختبار الميكروفون قبل بدء الحديث الفعلي!.
التعامل مع الغرباء يستهلك طاقة معرفية وعاطفية عالية. لذا، نلجأ إلى ما يُسمى بـ "السيناريوهات الاجتماعية" الجاهزة لتقليل القلق المصاحب لتلك اللقاءات. سؤال "كيف حالك؟" يوفر لنا ملاذاً آمناً ونتيجة متوقعة. والأهم من ذلك، أن هذه التفاعلات الصغيرة مع الغرباء تمنحنا جرعات يومية من "الروابط الضعيفة" (Weak Ties)، وهي خيوط اجتماعية دقيقة أثبتت الدراسات أنها أساسية للحفاظ على توازننا النفسي وشعورنا بالانتماء لنسيج المجتمع.
و في هذه اللحظة العابرة؟ ومن المنطق النيتشاوي وإرادة القوة: قد ينظر إلى هذا السؤال المكرر باشمئزاز، معتبراً إياه تجسيداً لـ "أخلاق القطيع". نحن نسأل لأننا نخشى التفرد، ونفضل الانصياع لقواعد اللياقة الزائفة التي توفر وهم الأمان!. لكن من زاوية أعمق، و من"إرادة قوة"!؛ فالمبادر بالسؤال هو من يفرض إيقاع اللحظة، ويجبر الغريب على التوقف والاستجابة وفقاً لقواعده، محولاً المجهول إلى كيان مروض ولو لثوانٍ معدودة.
اما من منطق يونجي و بفهمي لهذا التفاعل هو الوظيفة الأسمى لـ "البرسونا" (Persona)، ذلك القناع الاجتماعي الذي نرتديه لنعبر بأمان وسط الزحام. عندما أسأل الغريب "كيف حالك؟" ويجيبني "بخير"، فنحن هنا لا نتواصل كذوات إنسانية حقيقية وعميقة. إنها ببساطة مصافحة أنيقة بين "قناعين"، تحمي ذواتنا الهشة وتخفي فوضى "الظل" عن أعين المارة.
أما المنطق الفرويدي، فسيعيد الأمر برمته إلى الصراع الأبدي بين غرائزنا العميقة وقوانين المجتمع. الغريب بالنسبة للعقل الباطن (الهو - Id) يثير إما الريبة والعدوان أو الرغبات الفجة. لكي لا يتحول الشارع إلى فوضى، يتدخل "الأنا الأعلى" (Superego)، ممثل الحضارة والأخلاق، ليقوم بكبت هذه الدوافع الحيوانية، ويستبدلها بسؤال مهذب ومتحضر. إنها ضريبة ندفعها للتمدن؛ غلاف دبلوماسي نغلف به توجسنا لنضمن بقاء المجتمع متماسكاً.
في المرة القادمة التي تقف فيها في طابور أو تدخل مصعداً، وتسأل غريباً "كيف حالك؟"، تذكر أنك لا تسأل عن حاله حقاً. أنت تشارك في طقس بشري عريق ومعقد، تمزج فيه بين حذر إنسان الكهف، وذكاء الكائن الاجتماعي المعاصر!. إنها جملة صغيرة جداً، لكنها تحمل على عاتقها عبء الحفاظ على سلامة الحضارة البشرية بأكملها.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |