ثروةٌ تذوب..، وشعبٌ ينتظر.

حامد الضبياني
2026 / 6 / 17

ليس أخطر على الأوطان من سلطةٍ تفقد إحساسها بمعنى المال العام، لأن الدينار الذي يغادر خزينة الدولة ليس رقمًا في كشف حساب، بل هو جزء من حياة إنسان كان ينتظر سريرًا في مستشفى، أو مقعدًا في مدرسة، أو فرصة عمل تحفظ كرامته، أو شارعًا ينقذه من الموت، أو مشروعًا يعيد الحياة إلى مدينة أنهكها الإهمال. وكل قرار مالي لا يبدأ من حاجة المواطن ينتهي إلى صناعة فجوة جديدة بين الشعب والدولة.إن الوثائق المتداولة بشأن منح قروض بمئات الملايين من الدولارات إلى دول أفريقية تستوجب تفسيرًا رسميًا واضحًا، لا بياناتٍ عابرة ولا تبريراتٍ فضفاضة، لأن العراقي الذي يعيش وسط أزمات الخدمات والبطالة والفقر والعجز المالي يمتلك حقًا كاملًا في معرفة سبب خروج هذه الأموال، والأساس القانوني الذي استندت إليه، والعائد الذي سيعود على العراق منها، والضمانات التي تكفل استردادها. فالمال العام ليس ملكًا لحكومة تتصرف به كما تشاء، بل أمانة تخص أكثر من أربعين مليون مواطن.أي فلسفة سياسية تجعل الخارج أسبق من الداخل، بينما المواطن يغرق في الحرمان، هي فلسفة تحتاج إلى مراجعة جذرية. فلا قيمة لخطابات التنمية إذا كانت المدارس الطينية ما زالت قائمة، ولا معنى للحديث عن الشراكات الدولية إذا كانت المستشفيات تعجز عن توفير أبسط المستلزمات، ولا يمكن إقناع العاطل عن العمل بأن الصبر مشروع اقتصادي، بينما يرى مئات الملايين تغادر الحدود.المشكلة ليست في التعاون مع الدول، فالعراق ليس جزيرةً معزولة، لكن التعاون الحقيقي يبدأ من قوة الداخل لا من إضعافه. والدولة التي تعجز عن معالجة جراح شعبها ثم تتوسع في التزاماتها الخارجية تضع نفسها أمام سؤال أخلاقي قبل أن يكون سياسيًا: أين تقع مصلحة المواطن في سلم الأولويات؟.. ومن هنا تبدأ المعالجة، لا بالشعارات، بل بإجراءات لا تحتمل التأجيل؛ نشر جميع العقود والاتفاقيات المالية للرأي العام، وإخضاعها لتدقيق ديوان الرقابة المالية والجهات الرقابية المختصة، وفتح تحقيق قضائي مستقل في كل ملف يثار حوله جدل، وإعلان نتائجه بشفافية كاملة، واسترداد أي مال يثبت أنه صُرف أو أُدير خلافًا للقانون، وربط أي قرض أو منحة خارجية بدراسة اقتصادية منشورة توضح الفائدة المباشرة للعراق، مع منع اتخاذ قرارات مالية استراتيجية بعيدًا عن الرقابة الدستورية.ولا يقل أهمية عن ذلك إنهاء الامتيازات غير المبررة، ومراجعة ملفات الرواتب المتعددة التي تُمنح خلافًا للقانون إن وُجدت، وإعادة توجيه الأموال إلى بناء المستشفيات والمدارس، وتأهيل البنى التحتية، وتشغيل الشباب، ودعم الفئات الأكثر حاجة، لأن العدالة المالية ليست شعارًا انتخابيًا، بل أساس استقرار الدولة.العراق لا يحتاج إلى خطب طويلة عن الوطنية، بل إلى ميزانية تعكس معنى الوطن. ولا يحتاج إلى مزيد من الوعود، بل إلى مسؤول يدرك أن كل دينار يُهدر هو يومٌ آخر يُضاف إلى معاناة شعب صبر كثيرًا. إن الثقة لا تُبنى بالكلمات، وإنما بالشفافية، ولا تُستعاد بالتصريحات، وإنما بالمحاسبة التي لا تميز بين مسؤول وآخر، لأن القانون إذا أصبح انتقائيًا فقد هيبته، وإذا استعاد هيبته استعادت الدولة احترامها.سيبقى السؤال معلقًا في ضمير كل عراقي: لماذا يظل المواطن مطالبًا بالصبر والتقشف، بينما تتوالى القرارات التي تحتاج إلى تفسير واضح؟ والإجابة لا ينبغي أن تأتي من الخصومات السياسية، بل من الوثائق، ومن القضاء، ومن الحقيقة المجردة، لأن الأوطان لا تُبنى بالغموض، وإنما تُبنى بالوضوح، ولا يحميها إلا العدل، ولا يصون ثروتها إلا ضميرٌ حيٌّ يخاف الله، ويحترم الشعب، ويؤمن أن المال العام مقدس، وأن التفريط به خيانة للأجيال قبل أن يكون مخالفة للقانون.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن