الدين الذي لا يخاف السؤال.

حامد الضبياني
2026 / 6 / 17

ليس أخطر على الأوطان من العقل الذي يُطلب منه أن يتوقف عن التفكير، وليس أشد قسوة على الدين من تحويله إلى منطقة مغلقة تُرفع عند أبوابها لافتة تقول: "ممنوع الاقتراب... وممنوع السؤال". فالدين الذي نزل ليوقظ الإنسان لا يمكن أن يتحول إلى أداة لإغفاءة العقل، والإيمان الذي بدأ بأمرٍ إلهي عظيم: اقرأ، لا يجوز أن ينتهي بأمرٍ بشري يقول: لا تسأل. فمنذ متى أصبح السؤال كفرًا؟ ومنذ متى صار البحث عن الحقيقة خروجًا على العقيدة؟ وهل يخاف الحق من الأسئلة أم يخافها الباطل الذي يرتدي ثوب الحق؟.. العراق ليس أرضًا عابرة في تاريخ الرسالات والمذاهب والفقه، بل هو أحد أكبر مصانع الحضارة الإسلامية والعربية، ومن أرضه خرج العلماء والمفسرون والفقهاء والمحدثون والنحاة والفلاسفة، وعلى ترابه كُتبت آلاف المصنفات التي لا تزال الجامعات تدرسها حتى اليوم، فكيف يُعقل أن يُقال إن هذه الأرض التي أنجبت كل ذلك أصبحت عاجزة عن إنجاب مرجع ديني يقود أبناءها؟ أهي أزمة عقول، أم أزمة ظروف، أم أن الطريق إلى المرجعية لم يعد طريقًا علميًا خالصًا، بل أصبح يتقاطع مع النفوذ والسياسة والمال والشبكات المعقدة التي تصنع المكانة قبل أن يصنعها العلم؟... وحين يتكرر حضور المراجع من خارج العراق، يبرز سؤال يطرحه كثيرون: هل الأمر نتاج تفوق علمي طبيعي، أم أن هناك عوامل تاريخية وسياسية واجتماعية أسهمت في تكريس هذا الواقع؟ إن مثل هذا السؤال ليس طعنًا بأحد، وإنما محاولة لفهم آليات صناعة المرجعية وكيف تتشكل موازين التأثير في عالمٍ لم يعد العلم وحده هو الذي يصنع السلطة المعنوية.ثم إن التاريخ يعلمنا أن كل سلطة، مهما كان لباسها، تخشى المنافسة، وأن كل مؤسسة مغلقة تميل إلى حماية بنيتها أكثر من ميلها إلى فتح أبوابها أمام الوجوه الجديدة، ولذلك يبقى من حق الناس أن يتساءلوا: هل يجد كل عالم عراقي الطريق مفتوحًا أمامه إذا بلغ مرتبة الاجتهاد، أم أن هناك عوائق معقدة تجعل الوصول إلى موقع المرجعية أكثر صعوبة؟ إن هذا سؤال مشروع لا ينبغي أن يتحول إلى تهمة، لأن المجتمعات التي تمنع السؤال لا تنتج إلا الصمت، والصمت لا يبني الأوطان.
والدين في جوهره دعوة إلى الزهد، والزهد ليس شعارًا يرفع فوق المنابر، بل هو سلوك يُقاس بطريقة العيش، ولذلك يظل الناس يتساءلون عن العلاقة بين الخطاب الديني الذي يمجد البساطة، وبين ما يُتداول أحيانًا من حديث عن الثروات والأموال والمؤسسات الاقتصادية المرتبطة ببعض الشخصيات أو الجهات الدينية.وهذه التساؤلات لا يُجيب عنها الغضب، وإنما تجيب عنها الشفافية، لأن المال الذي يُجمع باسم الدين يزداد احترام الناس له كلما عرفوا كيف يُدار، وأين يُصرف، وما مقدار أثره في الفقير واليتيم والمريض والطالب والأرملة، فالثقة لا تُفرض، وإنما تُبنى بالوضوح.
وليس المقصود من هذه الأسئلة التشكيك في النيات، فالله وحده يعلم السرائر، وإنما المقصود أن المال العام والحقوق الشرعية التي يقدمها المؤمنون بدافع ديني وأخلاقي تستحق أعلى درجات الوضوح والمساءلة، لأن الفقير الذي يقتطع من قوته حقًا شرعيًا إنما يفعل ذلك إيمانًا بأن هذا المال سيعود خيرًا على الأمة، ومن حقه أن يطمئن إلى أن الأمانة قد بلغت موضعها.أما الأوقاف، فهي ليست مجرد عقارات وأموال، بل هي فلسفة حضارية قامت عليها مدارس ومستشفيات ومكتبات ودور أيتام وجسور وسبل ماء عبر قرون طويلة، ولذلك فإن السؤال عن كيفية إدارتها، وعن أثرها في خدمة المجتمع والدولة والإنسان، ليس اعتراضًا على الوقف، بل دفاع عن رسالته، لأن الوقف الذي لا ينعكس خيره على الناس يفقد جانبًا من روحه التي شُرع من أجلها.وفي كل مرة يشتعل فيها خطاب الكراهية بين أبناء الوطن الواحد، يعود السؤال المؤلم: هل خُلق الدين ليكون جسرًا بين القلوب، أم متراسًا بين الطوائف؟ وهل وظيفة رجل الدين أن يوسع مساحة الإنسان، أم أن يوسع مساحة الخصومة؟ إن المجتمع الذي يُختزل فيه الدين بالانقسام، يفقد أعظم مقاصده، لأن الله لم يخلق الناس ليكونوا وقودًا للعداوات، وإنما ليكونوا شهودًا على العدالة والرحمة والحق.
ويظل موضوع الإمام المهدي، لدى من يؤمن بعقيدته، من المسائل العقدية التي ارتبطت بالإيمان الديني، غير أن توظيف القضايا الغيبية في الجدل السياسي أو في تعطيل مسؤولية الإنسان عن إصلاح واقعه يثير نقاشًا فكريًا واسعًا. فالانتظار، أيًّا كان فهمه، لا ينبغي أن يتحول إلى تبرير للعجز، لأن الله حمّل الإنسان مسؤولية العمل والإصلاح، ولم يجعل الغيب بديلًا عن الواجب.إن العراق لا يحتاج إلى دين جديد، بل يحتاج إلى أن يعود الدين فيه قوةً أخلاقية تبني الإنسان قبل أن تبني المؤسسات، وتجمع القلوب قبل أن تجمع الأموال، وتحترم العقل قبل أن تطلب منه الطاعة. فالعقل الذي خلقه الله ليس خصمًا للإيمان، بل أحد أعظم أدوات الوصول إليه، وكل إيمان يخاف من السؤال إنما يخشى أن يكتشف الناس هشاشته، أما الحقيقة فلا تخاف الضوء، لأنها وُلدت منه.
ويبقى الوطن أكبر من الطائفة، والإنسان أكرم من أن يُختزل في انتمائه، والدين أسمى من أن يتحول إلى وسيلة للصراع على النفوذ أو المال أو المكانة. وسيظل العراقي، مهما أثقلته الجراح، يبحث عن عالمٍ يطمئن إليه بعلمه قبل لقبه، وبنزاهته قبل شهرته، وبقربه من الناس قبل قربه من السلطة، لأن المرجعية الحقيقية لا تُصنع بالهالة، وإنما يصنعها الصدق، ولا يمنحها التاريخ لمن يملك أكثر، بل لمن يخدم أكثر، ولا يخلد أسماء الذين جمعوا الثروات، وإنما يخلد الذين جمعوا القلوب، وأعادوا للإنسان ثقته بأن الدين كان، وسيبقى، رسالةً لتحرير العقل والضمير، لا لإغلاقهما.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن