|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
زياد الزبيدي
2026 / 6 / 17
ترجمة وتحليل د. زياد الزبيدي
17 حزيران يونيو 2026
حروب الظل البيولوجية: هل تحوّلت الحشرات إلى سلاح إستراتيجي في العقيدة العسكرية الأمريكية؟
من تجارب الحرب الباردة إلى هندسة الجينات: ملف يثير أسئلة أكثر مما يقدّم إجابات
في الحادي عشر من حزيران/يونيو 2026 نشر الكاتب الروسي فلاديمير بروخفاتيلوف مقالاً بعنوان «في البنتاغون تُخاض حروب غير معلنة بواسطة البعوض القاتل»، أعاد فيه فتح أحد أكثر الملفات إثارة للجدل في تاريخ البرامج البيولوجية العسكرية الأمريكية: إستخدام الحشرات، ولا سيما البعوض، كوسيلة محتملة لنشر الأمراض وتحقيق أهداف عسكرية وإستراتيجية.
ويستند المقال إلى وثائق أمريكية رُفعت عنها السرية مؤخراً، تتناول سلسلة من المشاريع العسكرية التي نُفذت خلال سنوات الحرب الباردة، قبل أن ينتقل الكاتب إلى مناقشة برامج بحثية أحدث مرتبطة بالوكالات العسكرية الأمريكية، وما يرافقها من إتهامات روسية وصينية متكررة بشأن الطبيعة الحقيقية لبعض الأبحاث البيولوجية التي تمولها واشنطن حول العالم.
لكن القضية تتجاوز مجرد قصة تاريخية عن تجارب أجريت قبل سبعين عاماً؛ فهي تلامس سؤالاً أعمق يتعلق بمستقبل الحروب نفسها: هل يمكن أن تصبح الكائنات الحية الصغيرة، من البعوض والقراد* والذباب، أدوات إستراتيجية تتفوق من حيث الكلفة والفاعلية على كثير من الأسلحة التقليدية؟
عندما أصبح البعوض مشروعاً عسكرياً
تكشف الوثائق التي يستشهد بها المقال أن الجيش الأمريكي أجرى بالفعل خلال خمسينيات القرن الماضي برامج بحثية هدفت إلى دراسة إمكانية إستخدام الحشرات الناقلة للأمراض في العمليات العسكرية.
ومن بين هذه البرامج مشروع حمل اسم «بيلويذر»، ونُفذ بين أيلول/سبتمبر وتشرين الأول/أكتوبر 1959، حيث جرى إختبار قدرة أنواع معينة من البعوض على مهاجمة البشر في ظروف مناخية مختلفة، خصوصاً في البيئات الحارة.
وبحسب الوثائق المشار إليها، فإن الهدف لم يكن دراسة الحشرات لأغراض صحية بحتة، بل تقييم إمكانية إستخدامها كسلاح بيولوجي ضد قوات معادية أو تجمعات سكانية تقع في مناطق النزاع.
وإختار الباحثون العسكريون آنذاك بعوضة الزاعجة المصرية*، وهي من أكثر الحشرات قدرة على نقل أمراض خطيرة مثل الحمى الصفراء وحمى الضنك وفيروس زيكا وحمى الشيكونغونيا.
وتتضمن الوثائق عبارة لافتة تقول إن: «الإستخدام المتعمد للحشرات الناقلة للأمراض ضد أهداف معادية يمتلك إمكانات إستراتيجية كبيرة».
وهي صيغة تعكس بوضوح أن التفكير العسكري الأمريكي في تلك المرحلة لم يكن يقتصر على الوقاية من الأمراض، بل شمل أيضاً دراسة إمكانية تحويل الناقلات البيولوجية إلى أدوات هجومية.
عمليات «دروب كيك» و«بيغ باز»: مختبرات الحرب الباردة المفتوحة
يشير المقال إلى أن مشروع «بيلويذر» لم يكن سوى حلقة ضمن سلسلة أوسع من التجارب التي حملت أسماء رمزية متعددة، من أشهرها عمليتا «دروب كيك» و**«بيغ باز»**.
وتُعد عملية «بيغ باز» من أكثر تلك العمليات إثارة للجدل، إذ تشير الوثائق إلى إطلاق أعداد هائلة من البعوض فوق مناطق مأهولة لإختبار قدرته على البقاء والإنتشار بعد إسقاطه جواً.
وبغض النظر عن الجدل القائم حول طبيعة البعوض المستخدم وما إذا كان حاملاً فعلياً لمسببات الأمراض أم لا، فإن مجرد تنفيذ تجارب ميدانية واسعة النطاق على تجمعات سكانية مدنية يكشف حجم الإهتمام العسكري الأمريكي آنذاك بفكرة «الحرب الحشرية».
وقد جاءت هذه المشاريع في سياق تاريخي كانت فيه الولايات المتحدة والإتحاد السوفياتي يتنافسان على تطوير مختلف أشكال الأسلحة غير التقليدية، بما فيها الأسلحة النووية والكيميائية والبيولوجية.
كوبا: إتهامات قديمة لم تُحسم
ينتقل المقال بعد ذلك إلى حقبة السبعينيات، مستشهداً بتصريحات عالم الأحياء الدقيقة الروسي إيغور نيكولين، الذي يرى أن الولايات المتحدة إستخدمت الحشرات لنشر أمراض وبائية ضد كوبا.
ويشير نيكولين إلى تفشي واسع لحمى الضنك في الجزيرة خلال تلك الفترة، معتبراً أن إنتشار المرض لم يكن طبيعياً بل نتيجة عمليات متعمدة.
غير أن هذه القضية بقيت طوال العقود الماضية موضع نزاع سياسي وإستخباراتي حاد؛ فبينما تتبنى كوبا وروسيا هذه الرواية، لم تُقدَّم أدلة قاطعة حاسمة تحظى بإجماع علمي دولي يثبت مسؤولية الولايات المتحدة عن تلك الأوبئة.
وهنا يبرز أحد التعقيدات الأساسية في ملف الأسلحة البيولوجية: فإثبات المصدر الحقيقي لإنتشار مرض ما غالباً ما يكون أكثر صعوبة بكثير من إثبات إستخدام الأسلحة التقليدية.
مختبرات جورجيا: بين التعاون الصحي والإتهامات العسكرية
يخصص الكاتب جزءاً كبيراً من مقاله للحديث عن مركز لوجار للأبحاث البيولوجية في جورجيا، وهو أحد أكثر المنشآت العلمية إثارة للجدل في الخطاب الروسي خلال السنوات الأخيرة.
فوفق الرواية التي يتبناها المقال، يشكل المركز إمتدادًا للأبحاث العسكرية الأمريكية المتعلقة بالعوامل البيولوجية والحشرات الناقلة للأمراض.
ويشير الكاتب إلى مشروعات تناولت: الجمرة الخبيثة؛ التولاريميا؛ حمى القرم – الكونغو النزفية؛ الحشرات الناقلة للأمراض؛ وجمع العينات البيولوجية لأغراض بحثية.
كما يتحدث عن مشروع خاص بالذباب الرملي وآخر يتعلق بفيروسات تنقلها الحشرات والقراد.
لكن في المقابل، تؤكد الولايات المتحدة وجورجيا أن المركز يعمل ضمن برامج الصحة العامة والأمن البيولوجي ومكافحة الأمراض المعدية، وأن الإتهامات الروسية تفتقر إلى الأدلة الملموسة.
وهكذا يبقى مركز لوجار نموذجاً واضحاً للصراع الجيوسياسي المتزايد حول المختبرات البيولوجية، حيث تُفسَّر الأنشطة نفسها بطرق متناقضة تبعاً للزاوية السياسية التي يُنظر منها إليها.
من مكافحة الأمراض إلى الهندسة الوراثية
لا يقتصر الجدل على البرامج القديمة أو المختبرات الخارجية، بل يمتد إلى أحدث تقنيات البيولوجيا الجزيئية والهندسة الوراثية.
فالمقال يسلط الضوء على برنامج «الحشرات الحليفة» التابع لوكالة مشاريع الأبحاث الدفاعية المتقدمة الأمريكية، وهي الجهة المسؤولة تاريخياً عن عدد كبير من الإبتكارات العسكرية والتكنولوجية الأمريكية.
الهدف المعلن للبرنامج يتمثل في إستخدام الحشرات لنقل تعديلات جينية إلى النباتات الزراعية بهدف حمايتها من الأمراض أو التغيرات المناخية.
غير أن عدداً من الباحثين الأوروبيين أثاروا تساؤلات حول إمكانية إساءة إستخدام هذه التكنولوجيا، معتبرين أن الآليات نفسها التي تسمح بنقل تعديلات مفيدة قد تُستخدم نظرياً في تطبيقات هجومية.
وهنا تكمن المعضلة الأساسية للتقنيات الحيوية الحديثة: فالفاصل بين الإستخدام المدني والإستخدام العسكري يصبح أكثر ضبابية مع كل تقدم علمي جديد.
البيرو وحمى الضنك: بين الوباء الطبيعي ونظريات الإستهداف
يربط المقال بين نشاط المختبرات البحرية الأمريكية في البيرو وبين موجات إنتشار حمى الضنك التي شهدتها البلاد خلال السنوات الأخيرة.
ويشير إلى أن الوحدات البحثية التابعة للبحرية الأمريكية تراقب "بعوض الزاعجة المصرية" وتدرس ديناميكيات إنتقال الفيروسات في أمريكا اللاتينية.
ومن هذه الحقيقة العلمية ينتقل الكاتب إلى إستنتاج سياسي مفاده أن تفشي المرض قد يكون مرتبطاً بصورة أو بأخرى بهذه الأنشطة.
إلا أن هذا الإستنتاج يبقى موضع جدل كبير، إذ إن حمى الضنك تُعد من أسرع الأمراض المدارية إنتشاراً عالمياً نتيجة التغيرات المناخية والتوسع العمراني وإزدياد نطاق إنتشار البعوض الناقل للمرض.
ولذلك فإن الربط المباشر بين برامج الرصد الوبائي وبين حدوث الأوبئة يحتاج إلى أدلة إضافية تتجاوز مجرد التزامن الزمني.
البعوض المعدل وراثياً: الجيل الجديد من الصراع البيولوجي
أحد أكثر أجزاء المقال إثارة يتعلق بالأبحاث المنشورة حديثاً حول تقنيات «كريسبر» وتعديل الحشرات وراثياً.
فقد أصبحت إمكانية التحكم بالصفات الجينية للبعوض واقعاً علمياً، سواء بهدف القضاء على الملاريا أو تقليص أعداد الحشرات الناقلة للأمراض.
ويشير الكاتب إلى دراسات ممولة جزئياً من جهات مرتبطة بالبنتاغون، تتناول التحكم في إنتشار التعديلات الوراثية داخل مجموعات البعوض.
ومن وجهة نظره، فإن هذه الأبحاث قد تمثل مقدمة لظهور جيل جديد من الأسلحة البيولوجية يصعب إكتشافه أو إثبات مصدره.
أما المدافعون عن هذه المشاريع فيرون أنها جزء من الجهود العالمية لمكافحة الأمراض المدارية التي تقتل مئات الآلاف سنوياً، وأن توظيف تقنيات التعديل الوراثي في المجال الصحي لا يعني بالضرورة وجود أهداف عسكرية.
حرب المستقبل: السلاح الأرخص والأصعب إثباتاً
تكمن الفكرة المركزية التي يدافع عنها الكاتب في أن الحشرات قد تتحول إلى وسيلة مثالية للحروب غير المعلنة.
فالأسلحة التقليدية تترك آثاراً واضحة يمكن تعقبها، أما الأمراض المنقولة عبر ناقلات بيولوجية فتمنح – نظرياً – مستوى عالياً من الإنكار وصعوبة الإثبات.
ومن هنا يرى أن المؤسسات العسكرية الكبرى، وعلى رأسها البنتاغون، تنظر بإهتمام متزايد إلى هذا المجال بوصفه أحد ميادين الصراع المستقبلية.
لكن الصورة الكاملة أكثر تعقيداً من ذلك؛ فالتاريخ يثبت بالفعل أن الولايات المتحدة والإتحاد السوفياتي وغيرهما من القوى الكبرى أجروا أبحاثاً واسعة حول الأسلحة البيولوجية خلال القرن العشرين. وفي الوقت نفسه، فإن كثيراً من الإتهامات المعاصرة المتعلقة بالمختبرات البيولوجية أو الأوبئة العالمية لا تزال محل نزاع سياسي وعلمي ولم تُحسم بأدلة نهائية.
خاتمة: بين الوقائع التاريخية والشكوك الجيوسياسية
تكشف الوثائق الأمريكية المرفوع عنها السرية حقيقة لا جدال فيها: الحشرات كانت بالفعل جزءاً من برامج عسكرية أمريكية خلال الحرب الباردة، وقد جرت دراسات عملية لتقييم إمكانية إستخدامها في إطار الحرب البيولوجية.
أما ما يتجاوز ذلك من إتهامات تتعلق بمختبرات جورجيا أو كوبا أو البيرو أو البرامج الجينية الحديثة، فإنه يدخل في منطقة رمادية تتداخل فيها الحقائق العلمية مع الحسابات السياسية والصراعات الجيوسياسية.
ومع التقدم السريع في علوم الوراثة والتقنيات الحيوية، لم يعد السؤال المطروح هو ما إذا كانت الحشرات قادرة على لعب دور في الحروب المستقبلية، بل كيف يمكن للمجتمع الدولي أن يضع ضوابط فعالة تمنع تحول الإنجازات الطبية والبيولوجية إلى أدوات صراع خفي يصعب كشفه أو محاسبة المسؤولين عنه.
*****
هوامش
المصادر والمراجع
1) فلاديمير بروخفاتيلوف، «في البنتاغون تُخاض حروب غير معلنة بواسطة البعوض القاتل»، 11 حزيران/يونيو 2026.
2) الوثائق الأمريكية المرفوع عنها السرية الخاصة بمشروعات بيلويذر ودروب كيك وبيغ باز.
3) تصريحات إيغور نيكولين، عضو لجنة الأمم المتحدة السابقة للأسلحة البيولوجية والكيميائية.
هوامش
4) القُراد ticks
هو مجموعة من العناكب الطفيلية الصغيرة الماصة للدم، وينتمي إلى طائفة العنكبيات، أي أنه أقرب إلى العناكب والعقارب منه إلى الحشرات.
5) بعوضة الزاعجة المصرية Aedes aegypti
هي أخطر أنواع البعوض الناقلة للأمراض الفيروسية للإنسان، ولذلك تُعد هدفاً رئيسياً لبرامج مكافحة البعوض والأوبئة في أنحاء العالم.
6) حمى الضنكdengue fever
هي مرض فيروسي ينقله أساساً بعوض Aedes aegypti، ويسبب حمى مرتفعة وصداعاً شديداً وآلاماً في العضلات والمفاصل.
في معظم الحالات يشفى المصاب، لكن بعض الإصابات قد تتطور إلى حمى ضنك شديدة تؤدي إلى نزيف خطير أو هبوط خطير في ضغط الدم قد يهدد الحياة إذا لم يعالج بسرعة.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |