ألكسندر دوغين - جرت العادة أن تُحمَّل الإنتلجنسيا الروسية مسؤولية كل مصائب روسيا

زياد الزبيدي
2026 / 6 / 16

ترجمة وتحليل د. زياد الزبيدي


16 حزيران يونيو 2026


ألكسندر دوغين يعيد الإعتبار إلى الإنتلجنسيا الروسية ويضع الدولة في قفص الإتهام

في مقال لافت نشره المفكر الروسي ألكسندر دوغين في يونيو/حزيران 2026 تحت عنوان «جرت العادة أن تُحمَّل الإنتلجنسيا الروسية مسؤولية كل مصائب روسيا»، يفتح الكاتب واحداً من أكثر الملفات حساسية في التاريخ الروسي الحديث: العلاقة المعقدة بين الدولة والمجتمع والنخبة الفكرية.

فالإعتقاد السائد في أوساط واسعة من المحافظين والقوميين الروس يقول إن الإنتلجنسيا الروسية كانت على الدوام مصدر الأفكار الهدامة والتيارات الثورية والمشاريع التغريبية التي قادت البلاد إلى الإنقسامات والإنهيارات المتعاقبة. غير أن دوغين يرفض هذه الرواية رفضاً قاطعاً، ويقترح قراءة مختلفة تماماً للتاريخ الروسي.

في جوهر أطروحته، لا تكمن المشكلة الأساسية في الإنتلجنسيا الروسية، بل في الدولة نفسها، أو بالأحرى في تلك النخب الحاكمة التي تبنت مشاريع التغريب والتحديث المستوردة من الغرب، ثم حملت المجتمع والنخبة الفكرية مسؤولية النتائج.

وبذلك يتحول المقال من مجرد دفاع عن الإنتلجنسيا إلى مراجعة جذرية لثلاثة قرون من التاريخ الروسي.


الإنتلجنسيا الروسية: ظاهرة حضارية لا مجرد طبقة مثقفة

يبدأ دوغين من نقطة مفاهيمية مهمة، مؤكداً أن مصطلح «الإنتلجنسيا» ليس مرادفاً عادياً لكلمة «المثقفين».

فهذا المفهوم، الذي انتقل من الروسية إلى لغات العالم بصيغته الأصلية تقريباً، يشير إلى ظاهرة تاريخية وإجتماعية خاصة نشأت في روسيا خلال القرن التاسع عشر. ولم تكن الإنتلجنسيا مجرد نخبة من الكتّاب أو الأكاديميين، بل طبقة واسعة من الأشخاص الذين رأوا في أنفسهم أصحاب رسالة أخلاقية وتاريخية تجاه الأمة.

كانت هذه الفئة، كما يصفها دوغين، «تجتمع في الحلقات الفكرية، وتحترق بالأفكار، وتبحث عن الحقيقة، وتكتب الروايات والقصائد، وترسم اللوحات وتؤلف السيمفونيات، وتناقش معانيها حتى بُحّت الأصوات».

ومن هنا يرفض الكاتب إختزالها في صورة الليبرالي المتغرب أو المعارض التقليدي للدولة، معتبراً أن معظم تيارات الإنتلجنسيا الروسية كانت منشغلة بسؤال واحد: ما هي روسيا؟ وما هو طريقها الخاص في التاريخ؟


بطرس الأكبر: التغريب جاء من الدولة لا من المجتمع

يطرح دوغين فكرة محورية تتكرر في معظم أعماله الفكرية، وهي أن التغريب في روسيا لم يكن مشروعاً شعبياً، بل مشروع دولة.

فهو يكتب بوضوح أن «التأثير الغربي المدمّر لم تدخله الإنتلجنسيا إلى روسيا، إذ إنها لم تكن موجودة بعد، بل أدخلته الدولة ممثلة ببطرس الأكبر».

وفي هذا السياق يستحضر مقولة ألكسندر بوشكين الشهيرة بأن «الأوروبي الوحيد في روسيا هو الدولة».

ولا يتعامل دوغين مع هذه العبارة بوصفها نكتة أدبية، بل بإعتبارها مفتاحاً لفهم التاريخ الروسي كله. فالمجتمع الروسي، بحسب رؤيته، ظل محتفظاً بخصوصيته الحضارية، بينما كانت الدولة، في مراحل عديدة، تحاول إعادة تشكيله وفق نماذج مستوردة من أوروبا.

ومن هنا تبدأ المفارقة الكبرى في النص: المتهم التقليدي بالتغريب ليس هو من قام به فعلاً، بل كانت الدولة نفسها هي صاحبة المبادرة.


بين الثورة والتوبة: الوجه المعقد للإنتلجنسيا

لا يقدم دوغين صورة مثالية للإنتلجنسيا الروسية، ولا يحاول تبرئتها من الأخطاء.

فهو يعترف بأنها كثيراً ما إتسمت بالغرور والتطرف والإنفعال وإطلاق الشعارات غير المسؤولة. لكنه يرى أن هذه العيوب لا تلغي حقيقة أساسية، وهي أن الإنتلجنسيا الروسية كانت تتحرك بدافع البحث عن الحقيقة وعن العدالة وعن مصير الأمة.

ويصفها بأنها كانت تتأرجح بين التمرد والتوبة، بين الثورة والإيمان، وبين الحلم والخيبة.

ولهذا يلفت الإنتباه إلى أن كثيراً من رموزها كانوا يختلفون جذرياً في أفكارهم السياسية، لكنهم كانوا يشتركون في الإنشغال بالمصير الروسي.

حتى الثوريون الشعبويون والإشتراكيون الثوريون، الذين لجأ بعضهم إلى الإرهاب السياسي، لا يراهم دوغين مجرد مقلدين للغرب، بل يعتبر أنهم كانوا يسعون بطريقتهم الخاصة إلى تحقيق ما تصوروه عدالة للشعب الروسي.


روسيا أكبر من الدولة

في قلب المقال تظهر الفكرة التي تمثل جوهر فلسفة دوغين السياسية والحضارية.

فروسيا، في نظره، ليست دولة فحسب، بل حضارة مستقلة ومتكاملة.

ولهذا يشدد على أن الإنتلجنسيا الروسية كانت تحاول دائماً أن تقول إن «روسيا أكبر من الدولة»، وإنها ليست مجرد جهاز إداري أو مؤسسة سياسية، بل هي شعب وتاريخ وثقافة ومجتمع وذاكرة جماعية ورسالة حضارية.

هذه الفكرة تفسر جانباً كبيراً من دفاعه عن الإنتلجنسيا. فمعارضة الدولة في بعض المراحل لم تكن، في رأيه، معارضة لروسيا، بل محاولة للبحث عن روسيا الحقيقية خلف مؤسسات السلطة.


سقوط الإمبراطورية: أزمة فائض الليبرالية

عند تناوله السنوات الأخيرة من الإمبراطورية الروسية، يرفض دوغين التفسير الليبرالي التقليدي الذي يربط سقوط النظام القيصري بتأخر الإصلاحات السياسية.

بل يذهب إلى العكس تماماً، معتبراً أن المشكلة كانت في الإفراط في الليبرالية وضعف الدولة أمام الضغوط المتزايدة.

ويستشهد بالمفكر الملكي ليف تيخوميروف، الذي لم يُفاجأ بإنهيار النظام القيصري، لأنه كان يرى أن الأزمة أصبحت بنيوية وعميقة.

وهنا يواصل دوغين نقده للنخب الحاكمة التي فقدت، في نظره، صلتها بالمجتمع الروسي وبالأسس الحضارية التي قامت عليها الدولة.


الإنتلجنسيا السوفياتية: البحث عن الجذور لا عن الغرب

ينتقل دوغين بعد ذلك إلى الحقبة السوفياتية، محاولاً تصحيح صورة شائعة أخرى.

فهو يرى أن الإنتلجنسيا السوفياتية في الستينيات والسبعينيات لم تكن تتطلع إلى الرأسمالية الغربية بقدر ما كانت تبحث عن إستعادة التقاليد الثقافية الروسية التي إنقطعت بعد الثورة.

لقد كانت، بحسب وصفه، تريد آنا أخماتوفا وأوسيب ماندلشتام، وتبحث عن الأرثوذكسية والفلسفة الدينية الروسية والكوزمية والتراث الثقافي للعصر الفضي.

وبعبارة أخرى، لم يكن الحلم الأساسي لهذه الأوساط هو الإندماج في الغرب، بل إستعادة الإستمرارية التاريخية للثقافة الروسية.


من قاد روسيا نحو الغرب؟

في أكثر أجزاء المقال إثارة للجدل، يوجه دوغين أصابع الإتهام إلى النخبة الحاكمة في أواخر الإتحاد السوفياتي.

فهو يرى أن التحول نحو الغرب لم يكن مشروعاً ثقافياً أو مجتمعياً، بل قراراً سياسياً إتخذته الدولة نفسها.

ولهذا يذكر أسماء شخصيات مثل ألكسندر ياكوفليف وأليكسي كوسيغين ويوري أندروبوف وميخائيل غورباتشوف وبوريس يلتسين وأناتولي سوبتشاك بإعتبارهم ممثلين لمسار تغريبي إنطلق من داخل أجهزة السلطة.

ومن هنا تأتي عبارته الأكثر دلالة: «أكبر الغربيين والليبراليين والأوروبيين في روسيا كانوا دائماً داخل الدولة.»

إنها جملة تكثف الرسالة الأساسية للمقال كله، وتنقل مركز المسؤولية التاريخية من المجتمع إلى النخبة الحاكمة.


التسعينيات: الدولة تخون نفسها

يبلغ نقد دوغين ذروته عند حديثه عن مرحلة ما بعد إنهيار الإتحاد السوفياتي.

فهو لا يصف ما جرى بوصفه إنتصاراً للإنتلجنسيا أو للديمقراطية، بل يراه إنتقالاً للسلطة من نخبة بيروقراطية منفصلة عن المجتمع إلى نخبة أخرى أكثر إرتباطًا بالمصالح الغربية.

وفي هذا السياق يطلق حكماً شديد القسوة حين يقول إن «الدولة خانت نفسها بنفسها».

أما الشعب والإنتلجنسيا، في نظره، فلم يكونا أصحاب القرار الحقيقي، بل تحولا إلى موضوع لهذه العملية وضحيتين لها في الوقت نفسه.

ويعترف دوغين بأن الإنتلجنسيا تتحمل جزءاً من المسؤولية لأنها لم تدرك ما يحدث بالسرعة الكافية، ولأنها إختارت في كثير من الأحيان التكيف مع الواقع الجديد بدلاً من مقاومته. لكنه يصر على أن القرارات المصيرية اتخذت في مكان آخر وعلى مستوى آخر.


إعادة كتابة سردية التاريخ الروسي

ما يفعله دوغين في هذا المقال يتجاوز الدفاع عن الإنتلجنسيا الروسية.

فهو في الواقع يحاول إعادة كتابة إحدى السرديات المركزية في التاريخ الروسي الحديث.

فبدلاً من النظر إلى الإنتلجنسيا بوصفها المصدر الرئيسي للأزمات والثورات والإنقسامات، يقدمها بإعتبارها جزءاً من عملية البحث المستمرة عن هوية روسيا ومصيرها الحضاري.

أما المسؤولية الكبرى، فيضعها على عاتق الدولة ونخبها التي تبنت، في مراحل مختلفة، مشاريع تحديث وتغريب لم تنبع من المجتمع الروسي نفسه.

الخلاصة

إذا كان لا بد من تلخيص رسالة دوغين في عبارة واحدة، فهي أن الإنتلجنسيا الروسية، رغم تناقضاتها وأخطائها وأوهامها، كانت في معظم الأحيان تبحث عن روسيا وتحاول فهمها، بينما جاءت التحولات المصيرية وموجات التغريب الكبرى من داخل الدولة والنخب الحاكمة نفسها.

ولهذا فإن المقال لا يمثل دفاعاً عن فئة إجتماعية بقدر ما يمثل محاولة لإعادة توزيع المسؤولية التاريخية في روسيا، ونقل مركز الإتهام من الإنتلجنسيا إلى السلطة.

إنها قراءة مثيرة للجدل، لكنها تكشف جانباً مهماً من رؤية ألكسندر دوغين لروسيا المعاصرة: دولة قد تخطئ، ونخب قد تنحرف، أما الحضارة الروسية، في نظره، فتبقى أعمق وأوسع وأكثر إستمرارية من جميع مؤسسات الحكم التي تعاقبت عليها.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن