|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

حامد الضبياني
2026 / 6 / 16
الفن لا ينمو داخل غرفةٍ مغلقة، ولا تزدهر الموسيقى في وطنٍ تُجرَّم فيه الآراء، لأن الأغنية التي تخشى النقد لا تثق بنفسها، والصوت الذي لا يحتمل المقارنة لا يستطيع أن يتحول إلى مدرسة. إن الحضارات الموسيقية الكبرى لم تُبنَ على التصفيق وحده، بل على الحوار الذي يفتح أبواب الأسئلة، وعلى النقد الذي يضع الجمال تحت مجهر المعرفة لا تحت سكين الكراهية. لذلك فإن الجدل الذي أثير حول ما قاله الفنان الكبير حميد منصور عن الفنان كاظم الساهر لم يكن في جوهره خلافًا بين شخصين، بقدر ما كشف عن أزمة ثقافةٍ كاملة أصبحت تخلط بين الرأي والإساءة، وبين التقييم الفني والعداء الشخصي، وبين الدفاع عن الفنان وتحويله إلى منطقةٍ محرمة لا يجوز الاقتراب منها.
حميد منصور ليس هاويًا جاء من خارج المهنة، بل فنان عاش الموسيقى عقودًا طويلة، ومن الطبيعي أن يمتلك رؤية فنية قد يتفق معها البعض ويختلف معها آخرون. والرأي الفني لا يكتسب قيمته من عدد المؤيدين أو المعترضين، وإنما من منطقه الفني وإمكانية مناقشته بالحجة. لذلك فإن الرد على الرأي يجب أن يكون برأي آخر، لا بحملات التخوين والإساءة والتجريح، لأن الفن لغة الذوق، والذوق لا يعلو بالصراخ.ولعل المشكلة الكبرى تكمن في أننا كثيرًا ما نستخدم كلمة "مطرب" و"مغنٍ" و"مؤدٍ" باعتبارها مترادفات، بينما هي في المدرسة الموسيقية العربية مصطلحات تحمل فروقًا دقيقة. فالمطرب هو من يمتلك القدرة على صناعة الطرب، والسيطرة على المقامات، والتنقل بين الطبقات الصوتية بمرونة، والزخرفة المقامية التي تجعل المستمع يعيش حالة الانتشاء الفني. أما المغني فهو صاحب الصوت الجميل والالتزام اللحني والقدرة على إيصال النص بإتقان، وقد لا يكون بالضرورة مطربًا بالمعنى الكلاسيكي. أما المؤدي فيبني نجاحه على الحضور والشخصية والإحساس، وقد يصنع حالة جماهيرية هائلة حتى وإن لم يكن صوته من الأصوات الطربية التقليدية. وهذه ليست درجات للتفاضل الأخلاقي، وإنما توصيفات تقنية يعرفها أهل الموسيقى منذ عشرات السنين.ومن هنا يمكن فهم كلام حميد منصور بعيدًا عن الانفعال، فهو لم ينكر نجاح كاظم الساهر، ولم يقلل من مكانته، وإنما قدّم توصيفًا فنيًا ينتمي إلى مدرسة نقدية ترى أن مفهوم الطرب يختلف عن مفهوم النجاح الجماهيري. وهذه الرؤية ليست جديدة في تاريخ النقد الموسيقي العربي، فقد تعرض كبار الفنانين عبر العقود لملاحظات نقدية من كبار الموسيقيين والنقاد، ولم يمنع ذلك بقاءهم في قمة المجد الفني.
أما كاظم الساهر، فهو بلا شك واحد من أهم الأسماء التي صنعت حضور الأغنية العراقية والعربية في العقود الأخيرة، وصاحب مشروع موسيقي متكامل، استطاع أن يقدّم القصيدة المغناة إلى جمهور واسع، وأن يبني شخصية فنية مستقلة تقوم على الذكاء في اختيار النصوص والألحان، والاهتمام بالصورة الموسيقية، والانضباط في الأداء، وهي عناصر جعلته يحتل مكانة استثنائية لدى ملايين المستمعين. وهذه الحقيقة لا يلغيها أي رأي نقدي، كما أن جماهيريته الواسعة لا تجعل تقييمه الفني خارج دائرة النقاش.إن النجاح الجماهيري ليس دائمًا مرادفًا للطرب، والطرب ليس دائمًا شرطًا للنجاح الجماهيري. فكم من مطرب عظيم بقي حبيس دائرة المتخصصين، وكم من مغنٍ استطاع أن يصل إلى قلوب الملايين بذكاء مشروعه الفني، لا باتساع مساحته الصوتية وحدها. ولهذا فإن تصنيف الفنان لا ينتقص من قيمته، بل يضعه في الإطار الذي يراه الناقد مناسبًا وفق معايير فنية قابلة للأخذ والرد.لقد أنجب العراق أصواتًا كبيرة شكّلت ذاكرة الغناء العربي، وكان لكل واحد منها هويته الخاصة التي لا تشبه الأخرى. فمن الصعب الحديث عن تاريخ الأغنية العراقية دون استحضار عمالقة مثل ناظم الغزالي، وحضيري أبو عزيز، وياس خضر، وسعدون جابر، وفؤاد سالم، ورياض أحمد، وحسين نعمة، ورعد عبد الأمير، وفاضل عواد، وغيرهم ممن أسسوا مدارس في الأداء والطرب والهوية العراقية. لم يكن هؤلاء متشابهين، ولم يكن أحدهم نسخة عن الآخر، بل كانت قيمة الفن العراقي تكمن في هذا التنوع الذي جعل لكل صوت بصمته الخاصة.لكن المؤلم أن الأغنية العراقية في السنوات الأخيرة أخذت تبتعد تدريجيًا عن هذا الإرث، لا بسبب نقص المواهب، بل بسبب تغير السوق الفني. فقد أصبحت الصورة تتقدم على الصوت، والإيقاع يتقدم على المقام، والانتشار الرقمي يتقدم على الجودة، وتحولت بعض الأعمال إلى منتجات استهلاكية سريعة العمر، تبحث عن ملايين المشاهدات أكثر مما تبحث عن الخلود. ولم تعد شركات الإنتاج تراهن على بناء المطرب، بل على صناعة الشهرة، وبين الشهرة والفن مسافة لا يقطعها إلا الزمن.إن الأزمة الحقيقية ليست في وجود رأي مخالف، وإنما في غياب ثقافة الاختلاف. فالفنان الحقيقي لا يخشى النقد، والجمهور الواعي لا يحارب الرأي بالرأي المضاد فقط، بل يحارب الإساءة بالأخلاق، ويواجه الفكرة بالفكرة. أما تحويل كل اختلاف فني إلى معركة شخصية، فهو إعلان صريح عن ضمور الثقافة الموسيقية، لأن الفن الذي يفقد مساحة الحوار يتحول إلى هتافات، والهتافات لا تصنع حضارة.
وليس مطلوبًا من الجميع أن يتفقوا على توصيف كاظم الساهر، كما ليس مطلوبًا أن يتفقوا مع حميد منصور، لكن المطلوب أن ندافع عن حق كل متخصص في أن يقدم قراءته الفنية ما دام ملتزمًا بالأدب والاحترام. فالحقيقة الفنية ليست عقيدة مغلقة، وإنما مساحة واسعة للاجتهاد، وكل مدرسة نقدية تمتلك أدواتها ومعاييرها.ويبقى كاظم الساهر فنانًا كبيرًا له مكانته وتأثيره وجمهوره الذي يستحق الاحترام، ويبقى حميد منصور فنانًا كبيرًا له خبرته ورؤيته التي تستحق أن تُناقش لا أن تُصادر. وبين الاثنين تقف الموسيقى شاهدةً على أن الفن أكبر من العصبيات، وأن الأغنية العراقية لا تحتاج إلى مزيد من الانقسامات، بل إلى استعادة روحها الأولى؛ تلك الروح التي كانت تجعل المقام ينتصر على الضجيج، والموهبة تنتصر على الصخب، والكلمة الجميلة تنتصر على كل ما عداها. وعندما نتعلم أن نختلف دون أن نهدم، وأن نناقش دون أن نُسيء، سنكون قد انتصرنا للفن قبل أن ننتصر لأي فنان، لأن الأسماء مهما عظمت تبقى جزءًا من تاريخ الموسيقى، أما الفن نفسه فهو التاريخ الذي يبقى.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |