الكلمة صنعت وطنًا من الحبر.

حامد الضبياني
2026 / 6 / 16

ليست الصحافة أوراقًا تُطبع ثم تُنسى، ولا حروفًا تُكتب ثم تذروها الرياح، وإنما هي الذاكرة التي اختارت أن تقاوم النسيان، والعين التي رفضت أن تنام فيما كانت الأمم تتشكل، والدول تتغير، والإنسان يعيد تعريف علاقته بالحقيقة. فالصحافة لا تبدأ من المطبعة، بل تبدأ من السؤال؛ والسؤال هو أول أشكال الحرية، وأول خطوة في طريق الوعي، لذلك لم يكن ميلاد الصحافة العراقية في الخامس عشر من حزيران عام 1869، يوم صدرت صحيفة الزوراء من بغداد، مجرد حدث إداري في ولاية عثمانية، بل كان إعلانًا عن دخول العراق عصر الكلمة المطبوعة، وانتقال المجتمع من الرواية الشفوية إلى الوثيقة المكتوبة، ومن الخبر الذي يولد في الأسواق إلى الخبر الذي يصبح شاهدًا على التاريخ، ومن الذاكرة الفردية إلى الذاكرة الجمعية التي تحفظ للأجيال صورة الزمن كما كان لا كما أراد المنتصرون أن يكون.ومنذ ذلك اليوم، لم تكن الصحافة العراقية مجرد مهنة، بل كانت قدرًا ثقيلاً حمله رجال ونساء آمنوا بأن الحبر يستطيع أن يقف في وجه السيف، وأن الكلمة الصادقة تستطيع أن تربك سلطانًا أكثر مما تفعله الجيوش، وأن الحقيقة لا تموت مهما طال عليها الحصار. لقد تغيرت الأنظمة، وتعاقبت الحكومات، وسقطت عروش، وقامت جمهوريات، ومرت انقلابات وحروب وحصارات واحتلالات وتحولات سياسية عاصفة، لكن الصحافة العراقية بقيت تمشي في قلب العاصفة، تارةً تكتب بحرية، وتارةً تكتب تحت رقابة، وتارةً تكتب وهي تعرف أن ثمن المقال قد يكون السجن أو المنفى أو الرصاصة، ومع ذلك لم تتوقف عن أداء رسالتها، لأن الرسالات الكبرى لا تقاس بحجم السلام الذي تعيشه، بل بحجم المخاطر التي تواجهها.لقد خرجت الصحافة العراقية من رحم الزوراء لتصبح مع الزمن مدرسة كاملة في الفكر والأدب والسياسة والثقافة، فظهرت صحف ومجلات صنعت الرأي العام وأسهمت في نهضة المجتمع، وأصبحت بغداد والبصرة والموصل والنجف وكركوك مراكز للإشعاع الثقافي والإعلامي، وكان لكل مرحلة صحافيوها الذين لم يكتفوا بنقل الأخبار، بل صنعوا الوعي، وفتحوا النوافذ أمام الأسئلة الكبرى، وربطوا المواطن بما يجري حوله، حتى غدت الصحيفة جزءًا من طقوس العراقي اليومية، يقرأها في الصباح كما يقرأ ملامح يومه الجديد.وعندما نستعرض تاريخ الصحافة العراقية فإننا لا نستعرض أسماء صحف فحسب، بل نستعرض تاريخ عقول صنعت نهضة العراق الحديثة، فمن بين صفحاتها مرَّ كبار المفكرين والأدباء والصحفيين الذين تركوا أثرًا لا يمحى، أمثال الأب أنستاس الكرملي الذي جعل الصحافة منبرًا للغة والتراث، وروفائيل بطي الذي أسس مدرسة صحفية رصينة ما زالت بصماتها حاضرة حتى اليوم، ومحمد مهدي الجواهري الذي لم يكن شاعرًا فحسب، بل كان صحفيًا حمل قلمه إلى ساحات الدفاع عن الحرية والكرامة، وحسين مردان، وكامل الجادرجي، ونوري ثابت صاحب شخصية "حبزبوز" الساخرة التي جعلت النقد السياسي فنًا، ثم جاء بعدهم أجيال متعاقبة من الصحفيين والكتاب الذين حافظوا على جذوة الكلمة في أكثر الأزمنة قسوة، حتى أصبحت الصحافة العراقية واحدة من أكثر التجارب العربية ثراءً وتنوعًا، لأنها كُتبت في بلاد لم تعرف الاستقرار طويلًا، فكان على الصحفي أن يكون مؤرخًا وشاهدًا ومحللًا وأحيانًا ضحيةً في الوقت نفسه.ولم تكن الصحافة العراقية يومًا مجرد ناقل للأحداث، بل كانت مصنعًا للوعي، إذ لعبت دورًا محوريًا في نشر التعليم، وتعزيز الثقافة، وترسيخ الهوية الوطنية، والدفاع عن اللغة العربية، والتعريف بالفكر الإنساني، وفتح أبواب الحوار بين مختلف الاتجاهات، وكانت المقالة السياسية تُقرأ إلى جانب القصيدة، والتحقيق الاجتماعي إلى جانب الدراسة الفكرية، في مشهد يعكس إيمان الصحفي العراقي بأن الإنسان لا يُبنى بالخبر وحده، وإنما يُبنى بالمعرفة التي تمنحه القدرة على التفكير الحر، ولذلك أصبحت الصحافة مدرسة شعبية كبرى تخرّج منها ملايين القراء الذين تعلموا كيف يناقشون، وكيف يسألون، وكيف يميزون بين الحقيقة والدعاية، وبين النقد والإساءة، وبين الاختلاف والعداء.ولأن العراق عاش قرنًا ونصف القرن من التحولات العاصفة، فقد دفعت الصحافة العراقية ثمنًا باهظًا لتمسكها بالكلمة، فسقط شهداء كثيرون وهم يحملون الكاميرا أو القلم، وأُغلقت صحف، وصودرت مطابع، ونُفي كتاب، وتعرض صحفيون للملاحقة والتهديد والاغتيال، لكن كل تلك المحاولات لم تستطع أن تطفئ صوت الحقيقة، لأن الصحافة التي ولدت من رحم الألم تعرف كيف تحوّل الجراح إلى شهادة، وكيف تجعل من الدم صفحة جديدة في كتاب الحرية.ومع دخول العصر الرقمي، لم تنتهِ الصحافة العراقية كما توقع البعض، بل أعادت تعريف نفسها، فانتقلت من الورق إلى الشاشة، ومن المطبعة إلى المنصات الرقمية، ومن الخبر المؤجل إلى الخبر الفوري، وأصبحت وسائل التواصل الاجتماعي ميدانًا جديدًا للمنافسة، يحمل فرصًا واسعة كما يحمل تحديات خطيرة، إذ لم يعد الخطر في غياب المعلومة، بل في فيضانها، ولم تعد المشكلة في ندرة الأخبار، بل في كثرة الأخبار الكاذبة، وهنا أصبحت مسؤولية الصحفي أعظم من أي وقت مضى، لأنه لم يعد مطالبًا بالنشر فقط، بل بالتحقق، ولم يعد صانع خبر فحسب، بل حارسًا للحقيقة وسط ضجيج التضليل.إن عيد الصحافة العراقية ليس مناسبة للاحتفال بمرور الأعوام، وإنما هو وقفة احترام أمام تاريخ طويل من التضحية، واستذكار لرجال ونساء آمنوا بأن الوطن لا يُبنى بالبندقية وحدها، بل بالكلمة التي تزرع العقل قبل أن تحرر الأرض، وأن المجتمعات التي تفقد صحافتها الحرة تفقد قدرتها على رؤية نفسها، لأن الصحافة ليست مرآة المجتمع فقط، بل ضميره الحي، فإذا صدقت نهض المجتمع، وإذا خافت خاف الناس، وإذا باعت الحقيقة خسر الجميع.وفي كل الخامس عشر من حزيران، لا تحتفل الصحافة العراقية بعيدها وحدها، بل يحتفل العراق كله بواحدة من أعرق مؤسساته الثقافية، المؤسسة التي حفظت ذاكرة وطن، ووثقت أفراحه وأحزانه، وكتبت أسماء شهدائه ومبدعيه، وسجلت انتصاراته وانكساراته دون أن تسمح للزمن أن يمحوها، لأن الأمم التي تملك صحافة حرة لا تخشى المستقبل، فهي تعرف أن الحقيقة قد تتأخر، لكنها لا تغيب، وأن الكلمة الصادقة قد تُحاصر، لكنها لا تُهزم، وأن الحبر الذي بدأ رحلته في بغداد قبل أكثر من قرن ونصف، ما زال حتى اليوم يكتب العراق، ويكتب للإنسان العراقي، ويكتب من أجل أن يبقى الوعي حيًا، والوطن حاضرًا، والحرية ممكنة.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن