الدولة التي كبرت فيها الرواتب وصغر فيها الإنسان.

حامد الضبياني
2026 / 6 / 15

ليست المأساة في الأرقام وحدها، فالأرقام لا تبكي، ولا تجوع، ولا تقف في طوابير المستشفيات، ولا تعود إلى بيتها آخر الشهر وهي تحمل لأطفالها اعتذارًا بدل الخبز. المأساة الحقيقية تبدأ عندما تتحول الأرقام إلى فلسفة حكم، وعندما يصبح الفرق بين راتب وآخر ليس فرقًا في المسؤولية، بل فرقًا في قيمة الإنسان نفسه، وكأن الوطن قد قرر أن يقسم أبناءه إلى طبقات لا يجمعها سوى اسم الجنسية، أما الحقوق فقد أصبحت امتيازًا يمنح لمن اقترب من السلطة، لا لمن اقترب من الوطن.في العراق لم تعد المشكلة سؤالًا عن مقدار الرواتب، بل عن مقدار العدالة. فكلما اتسعت الهوة بين من يحكم ومن يُحكم، بدأت الدولة تفقد معناها الأخلاقي قبل أن تفقد معناها الإداري. إن الدولة ليست بنايات شاهقة ولا مواكب مدججة بالحماية، وإنما هي شعور المواطن بأنه شريك في الخبز كما هو شريك في العلم والنشيد والعَلَم. فإذا أصبح الموظف البسيط يقيس راتبه بالأيام، بينما يقيس غيره دخله بالملايين، فإن السؤال لم يعد اقتصاديًا، بل أصبح سؤالًا وجوديًا: لمن وُجدت الدولة أصلًا؟إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي وطن ليس الفقر، فالفقر قد يُهزم بالإنتاج والعمل، وإنما أخطر ما يصيبه هو الإحساس بأن العدالة أصبحت امتيازًا لا حقًا، وأن القانون صار يتحدث بلغات متعددة، لغة للنافذين، ولغة للمتعبين، ولغة ثالثة لا يسمعها إلا الفقراء حين يطلبون حقهم. وعندما يشعر المواطن بأن سنوات عمره كلها لا تساوي امتيازًا واحدًا يحصل عليه مسؤول بحكم موقعه، فإن العقد الأخلاقي بين الدولة والناس يبدأ بالتآكل، حتى وإن بقيت القوانين مكتوبة والدساتير محفوظة.كيف يمكن إقناع متقاعد أفنى عمره في خدمة بلده بأن راتبه لا يكفي أسبوعًا، بينما يسمع كل يوم عن امتيازات ومخصصات وموازنات وأرقام لا يستطيع حتى تخيلها؟ وكيف يمكن مطالبة الشباب بالصبر، بينما يرون أن الطريق إلى الحياة الكريمة لا يمر عبر العلم ولا الكفاءة ولا النزاهة، بل عبر أبواب السياسة والمناصب والمحاصصات؟ إن أخطر أنواع الفساد ليس سرقة المال فقط، بل سرقة إيمان الناس بأن العدالة ممكنة.لقد تحولت عبارة "الرئاسات الثلاث" في وعي كثير من المواطنين إلى رمز للفجوة، لا إلى رمز للدولة. وليس لأن المنصب يجب أن يُهان، وإنما لأن هيبة المنصب لا تُبنى بارتفاع الامتيازات، بل بارتفاع الشعور بالمسؤولية. فالحاكم الذي يشعر بجوع شعبه لا يحتاج إلى أسوار عالية ليحمي نفسه، لأن القلوب تكون سوره الحقيقي، أما إذا اتسعت المسافة بين القصور والبيوت، فإن الأسوار ترتفع كلما انخفضت الثقة.ثم نسأل أنفسنا: لماذا يغضب الناس؟ لأن الإنسان لا يقارن نفسه بالغني، بل يقارن نفسه بالدولة التي وعدته بالمساواة. المواطن لا يحسد أحدًا على رزقه، لكنه يتساءل: لماذا يصبح المال العام كريمًا مع السلطة، بخيلًا مع الأرامل والمتقاعدين والعمال والشباب؟ لماذا تُفتح أبواب الإنفاق حين يتعلق الأمر بالمناصب، ثم تُغلق حين يتعلق الأمر بسُلَّم الرواتب أو بإنصاف من أفنوا أعمارهم في خدمة البلاد؟.. إن العدالة ليست شعارًا يُرفع في الخطب، بل ميزانًا يُقاس به كل دينار يخرج من خزينة الدولة. فالمال العام ليس ميراثًا سياسيًا، ولا غنيمة انتخابية، ولا مكافأة للفائزين، وإنما هو حق لطفل في أقصى الجنوب، ولمزارع في الفرات الأوسط، ولمعلم في الشمال، ولمتقاعد ينتظر دواءه، ولشاب يحلم بوظيفة تحفظ كرامته.
والمؤلم أن الخطاب الديني نفسه يُختبر في مثل هذه اللحظات. فالناس لا ينتظرون الخطب التي تمجد الصبر وحده، بل ينتظرون كلمة حق تقف إلى جانب المظلوم أيًا كان موقعه. فالدين الذي يأمر بالعدل لا يمكن أن يطمئن إلى مجتمع تتسع فيه الفوارق حتى يصبح الإنسان يشعر أنه مواطن من درجة أدنى داخل وطنه. والسكوت عن الظلم لا يجعله عدلًا، كما أن كثرة الشعارات لا تصنع ضميرًا حيًا.إن النفط الذي يخرج من أرض العراق لا يسأل عن طائفة ولا حزب ولا قومية، لأنه ثروة لجميع العراقيين. وكل دينار يدخل خزينة الدولة يحمل في داخله حق الجميع، وليس حق فئة دون أخرى. ولذلك فإن السؤال الذي سيظل يطارد كل سلطة ليس كم أنفقت، بل كيف أنفقت؟ وعلى من أنفقت؟ وهل شعر المواطن البسيط أن هذا الوطن يتذكره كما يتذكر أصحاب النفوذ؟... إن الدول لا تسقط يوم تخسر حربًا، وإنما يوم يخسر المواطن ثقته بها. ولا تنهار بسبب نقص الأموال وحده، بل بسبب غياب الإحساس بأن الجميع يقفون أمام القانون والمسؤولية والحقوق على مسافة واحدة. فالعدالة هي الثروة الوحيدة التي إذا توزعت بالتساوي ازداد الوطن غنى، وإذا احتكرها الأقوياء أصبح الجميع فقراء، حتى أولئك الذين يملكون المال.سيبقى العراقي قادرًا على احتمال الفقر، كما احتمله عقودًا طويلة، لكنه لن يحتمل أن يشعر بأن وطنه ينظر إليه بوصفه رقمًا صغيرًا في آخر الجداول، بينما تُفتح أبواب الامتيازات بلا نهاية أمام قلة قليلة. فالأمم لا تُقاس بما يملكه حكامها، وإنما بما يشعر به أبسط مواطن فيها من كرامة وعدل وإنصاف. وإذا غابت العدالة، فلن يبقى للوطن سوى اسمه، أما روحه فستظل تبحث عمن يعيد إليها الإيمان بأن الدولة خُلقت لخدمة الإنسان، لا ليبقى الإنسان خادمًا لامتيازات الدولة.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن