وهم الانتصار… حين تُدار الهزائم بلغة النصر.

حامد الضبياني
2026 / 6 / 15

لا شيء في هذا العالم السياسي أكثر خداعًا من كلمة “انتصار”. فهي ليست حقيقة تُرى بالعين، بل رواية تُفرض على الوعي، وتُعاد صياغتها حتى تصير بديلًا عن الواقع نفسه. فكم من مهزومٍ رفع راية النصر، وكم من متصدّعٍ داخليًا أعلن أنه يمسك بمفاتيح القوة؟ هنا لا يعود التاريخ سجلًّا للأحداث، بل يصبح ساحة لصناعة المعنى، ومن يمتلك اللغة يمتلك القدرة على قلب الهزيمة إلى خطاب احتفالي.حين نتأمل التجربة الإيرانية في بعدها الإقليمي والداخلي، لا نجد جوابًا بسيطًا لسؤال: من المنتصر؟ لأن السؤال نفسه ساذج أمام تعقيد المشهد. دولة تتحرك بثقل أيديولوجي، تمتد في الخارج عبر شبكات نفوذ وتحالفات، لكنها في الداخل تُصارع اقتصادًا متعبًا، وضغطًا اجتماعيًا صامتًا، وأزمات تتراكم كطبقات الغبار فوق بنيتها. فأيّ وجه من هذه الوجوه هو “الحقيقة”؟ هل الحقيقة في امتداد النفوذ، أم في اهتزاز الداخل؟ أم أن الاثنين معًا هما صورة واحدة لواقع متشظٍ لا يقبل التبسيط؟.. الصراع هنا ليس بين دول فقط، بل بين روايات. رواية تقول إنها تصدّرت المشهد وأعادت تشكيل الإقليم، ورواية أخرى ترى أن هذا التمدد ليس إلا هروبًا إلى الخارج من أزمات الداخل. وبين الروايتين تضيع الحقيقة في منطقة رمادية لا يحبها الخطاب المتشدد، لأنه لا يعيش إلا في الأبيض والأسود.إن أخطر ما في السياسة المعاصرة أنها لم تعد تُدار فقط بالدبابات والحدود، بل بالعقول أيضًا. يتم تصنيع “الوعي” كما تُصنع الأسلحة، ويُطلب من الشعوب أن تصفّق أو تلعن وفق الإيقاع المرسوم لها مسبقًا. وهنا تتحول الجماهير إلى وقودٍ لروايات لا تملك حق مساءلتها، بينما تُختزل الدول إلى شعارات، والتاريخ إلى هتافات متقابلة.لكن الحقيقة التي لا تُقال بسهولة هي أن لا أحد يربح كامل اللعبة. حتى من يبدو في موقع القوة، يحمل داخله هشاشة بنيوية لا تظهر في الخطاب العام.وحتى من يبدو في موقع الضعف، يملك قدرة على إعادة التشكّل من تحت الرماد. لذلك فإن فكرة “النصر المطلق” ليست إلا أسطورة سياسية تُستخدم لتثبيت المعنويات لا لوصف الواقع.أما حين يتحول النقد إلى كراهية شاملة، ويُختزل الخصم في صورة شيطانية مطلقة، فإننا لا نكون أمام تحليل سياسي، بل أمام انهيار في القدرة على الفهم. لأن الشعوب لا تُختصر في أعداء وأتباع، والدول لا تُفهم بلغة الشتيمة، بل بلغة التناقضات الداخلية التي تصنعها.في النهاية، ما يُسمّى “نصرًا” قد يكون مجرد لحظة توازن مؤقت في صراع طويل، وما يُسمّى “هزيمة” قد يكون بداية إعادة تشكيل بطيئة لا تراها العيون المستعجلة. وبين هاتين اللحظتين، يبقى الوعي وحده هو ساحة المعركة الحقيقية، حيث لا يُهزم من يخسر الأرض، بل من يفقد قدرته على رؤية الحقيقة خارج ضجيج الشعارات.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن