|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
سعد بن علال
2026 / 6 / 15
ليس جديدا على الحركة الاشتراكية أن يثار النقاش حول الانتخابات، ولا حول الموقف من القوى الإصلاحية. فمنذ ماركس وإنجلز، مرورا بلينين وتروتسكي وروزا لوكسمبورغ، وصولا إلى تجارب أمريكا اللاتينية والربيع العربي، ظل السؤال نفسه يتكرر بأشكال مختلفة: كيف يتعامل الثوريون مع الإصلاحيين؟ وكيف يوظفون المؤسسات البرجوازية دون السقوط في أوهامها؟
ينطلق الرفيق سعيد الريشة من فرضية تبدو للوهلة الأولى معقولة: برلمان يضم عشرات النواب من اليسار الإصلاحي أفضل من برلمان يهيمن عليه خدام الاستبداد والنيوليبرالية. لكن المشكلة لا تكمن في هذه الفرضية المجردة، بل في الاستنتاجات السياسية التي تبنى عليها، فالسؤال الحقيقي ليس: هل منيب والعسري والعزيز أفضل من أخنوش أو وهبي أو غيرهما؟ هذا سؤال سهل.
السؤال الحقيقي هو: هل يشكل صعود اليسار الإصلاحي خطوة في اتجاه بناء قوة مستقلة للطبقة العاملة، أم أنه يعيد إنتاج الأوهام التي عطلت تطورها السياسي لعقود؟ هنا يبدأ الخلاف.
لقد علمتنا التجربة التاريخية أن الإصلاحية لا تقاس بشعاراتها، بل بوظيفتها السياسية. فكم من حزب رفع شعارات الديمقراطية والعدالة الاجتماعية ومحاربة الفساد، ثم انتهى إلى لعب دور الوسيط بين الجماهير والنظام القائم؟ المشكلة ليست في نوايا القيادات، بل في الموقع الطبقي للمشروع الذي تحمله.
فالأحزاب التي يتحدث عنها سعيد لا تدعو إلى إسقاط البنية السياسية والاقتصادية القائمة، ولا إلى سلطة العمال والكادحين، ولا إلى القطع مع الرأسمالية التابعة. إنها تدعو إلى تحسين شروط اشتغال النظام القائم، وإلى إعادة توزيع بعض السلطة داخل إطاره، وإلى بناء «ملكية برلمانية» تكون فيها الدولة أكثر ديمقراطية وأكثر فعالية، إنه مشروع إصلاح الدولة، لا مشروع تغييرها، لهذا السبب يصبح الحديث عن «هزيمة جزئية للاستبداد» عبر تعزيز تمثيلية هذه الأحزاب حديثا يحتاج إلى كثير من التدقيق.
فالاستبداد في المغرب ليس مجرد توازن انتخابي داخل البرلمان، بل هو بنية متكاملة من السلطة الاقتصادية والسياسية والإدارية والعسكرية، ولذلك فإن توسيع الحضور البرلماني لليسار الإصلاحي قد يشكل تطورا في ميزان القوى السياسي، لكنه لا يشكل بالضرورة تقدما في ميزان القوى الطبقي، بل قد يتحول إلى آلية جديدة لاستيعاب الغضب الشعبي داخل المؤسسات.
لقد عرف المغرب تجربة الاتحاد الاشتراكي، وعرفت البرازيل تجربة لولا، وعرفت اليونان تجربة سيريزا، وعرفت إسبانيا تجربة بوديموس، في كل هذه الحالات، لم يكن الإخفاق ناتجا عن سوء نوايا القيادات، بل عن حدود المشروع الإصلاحي نفسه، ولهذا يبدو غريبا الاستشهاد بتجارب أمريكا اللاتينية دون التوقف عند مآلاتها، فكم من حركة اجتماعية قوية انتهت إلى التراجع بعد وصول حلفائها الإصلاحيين إلى السلطة؟ وكم من موجة نضالية تحولت إلى رصيد انتخابي استهلكته المؤسسات؟
إن التجربة التاريخية لا تؤكد فقط أن الجماهير تمر عبر الإصلاحية، بل تؤكد أيضا أن الإصلاحية تستطيع، في ظروف معينة، أن تعطل انتقال الجماهير إلى مواقع أكثر جذرية، هنا تحديدا تكمن المعضلة.
لا يكفي القول إن الجماهير ستكتشف حدود الإصلاحية بالتجربة، فالسياسة ليست مختبرا محايدا، والتجربة لا تنتج دائما نتائج تقدمية، فقد تقود إلى الراديكالية، وقد تقود إلى الإحباط والعزوف واللامبالاة، ومن واجب الثوريين ألا يكتفوا بمرافقة الأوهام، بل أن يكافحوا ضدها منذ البداية.
لقد كان تروتسكي واضحا عندما أكد أن مهمة الثوريين ليست الاختباء خلف وعي الجماهير القائم، بل مساعدتها على تجاوز حدود ذلك الوعي.
أما النقطة الأكثر إثارة للنقاش في مقال سعيد فهي اعتبار أن المهمة الأساسية هي دفع تحالف اليسار إلى تنفيذ شعاراته، لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: من سيدفع من؟ هل سيدفع اليسار الجذري الإصلاحية نحو الراديكالية؟ أم ستدفع الإصلاحية اليسار الجذري نحو التكيف مع قواعد اللعبة الانتخابية؟.
إن ميزان القوى الحقيقي بين الطرفين لا يسمح بتجاهل هذا السؤال، فالتاريخ مليء بأمثلة أحزاب ثورية دخلت في تحالفات انتخابية مع قوى إصلاحية وانتهت إلى الذوبان فيها، بينما الأمثلة المعاكسة أقل بكثير.
إن بناء قوة سياسية مستقلة للطبقة العاملة لا يبدأ من البرلمان، بل من مواقع العمل والأحياء الشعبية والجامعات والنقابات والحركات الاجتماعية، ومن دون هذا الشرط، فإن أي نجاح انتخابي سيظل نجاحا هشا وقابلا للاستيعاب، لهذا لا ينبغي أن يكون النقاش بين من يريد الانتخابات ومن يرفضها، ولا بين من يريد نوابا يساريين ومن لا يريدهم، بل بين من يرى الانتخابات أداة ثانوية في خدمة مشروع تحرري مستقل، ومن يحولها إلى محور السياسة كلها.
إن وجود عشرات النواب اليساريين قد يكون مكسبا ديمقراطيا محدودا، لكن بناء قوة مستقلة للعمال والكادحين يبقى مكسبا تاريخيا أكبر بكثير، والخلط بين الأمرين هو ما يقود، مرة أخرى، إلى الدوران داخل الحلقة المفرغة نفسها التي عرفها اليسار المغربي منذ عقود.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |