جيل Z: الذات الجديدة للرأسمالية المعاصرة أم طليعة التمرد القادم؟

سعد بن علال
2026 / 6 / 14

اعتادت العلوم الاجتماعية النظر إلى الأجيال باعتبارها تعاقبا بيولوجيا داخل المجتمع. غير أن بعض الأجيال تتحول إلى ظواهر تاريخية تتجاوز حدود العمر لتصبح تجسيدا لتحولات اقتصادية وثقافية وسياسية عميقة. هذا هو حال جيل Z، الذي تشكل وعيه في قلب الرأسمالية النيوليبرالية المعولمة، وفي زمن الأزمات المتراكمة التي ضربت شرعية النظام العالمي منذ مطلع القرن الحادي والعشرين.

إن الحديث عن جيل Z ليس حديثا عن الشباب فقط، بل عن الذات الاجتماعية الجديدة التي أنتجتها الرأسمالية الرقمية، وعن التناقضات التي تحملها هذه الذات بين التكيف مع النظام والتمرد عليه.

جيل الأزمة الدائمة

نشأت الأجيال السابقة على فكرة التقدم التاريخي. كان الآباء يؤمنون بأن المستقبل سيكون أفضل من الحاضر. أما جيل Z فقد ولد في عالم تسوده الأزمات المتلاحقة: الأزمة المالية العالمية، الحروب الإقليمية، الكوارث البيئية، جائحة كورونا، وتدهور شروط العيش والعمل.

لقد تشكل وعي هذا الجيل في ظل ما يمكن تسميته بـ"الرأسمالية المأزومة"، حيث لم يعد النظام قادرا على إنتاج الأمل بنفس الكفاءة التي كان يفعلها خلال العقود السابقة. ولذلك نجد لدى هذا الجيل مستويات مرتفعة من الشك تجاه المؤسسات السياسية والاقتصادية السائدة.

إنه جيل لا يثق بسهولة في الأحزاب التقليدية، ولا في الإعلام الرسمي، ولا في النخب السياسية التي تبدو بالنسبة إليه جزءا من المشكلة أكثر مما هي جزء من الحل.

الرأسمالية الرقمية وإعادة تشكيل الوعي

إذا كانت المدرسة والمصنع قد شكلا الوعي الجماعي للأجيال السابقة، فإن الهاتف الذكي ومنصات التواصل الاجتماعي هما المؤسستان الأساسيتان اللتان تشكلان وعي جيل Z.

لقد نقلت الرأسمالية عملية الاستغلال من فضاء العمل فقط إلى فضاء الحياة اليومية بأكملها. لم يعد الفرد يبيع قوة عمله فحسب، بل أصبح يبيع انتباهه وصوره وبياناته وعلاقاته الاجتماعية.

ومن هنا تظهر مفارقة كبرى: فالأدوات التي تمنح الشباب إمكانيات هائلة للتواصل والتنظيم والتعبير هي نفسها أدوات للمراقبة والتوجيه وصناعة الرأي.

لقد أصبح جيل Z يعيش داخل ما يمكن تسميته "الرأسمالية الخوارزمية"، حيث تتحكم الخوارزميات في جزء كبير من تدفق المعلومات والرغبات والتصورات السياسية.

نهاية الأيديولوجيات أم البحث عن أفق جديد؟

يتهم جيل Z أحيانا بأنه جيل غير مؤدلج أو غير سياسي. لكن هذا الحكم يعكس سوء فهم لطبيعة التحولات الجارية.

فهذا الجيل لا يرفض السياسة بقدر ما يرفض أشكالها التقليدية. إنه أقل انجذابا إلى التنظيمات الصلبة والهويات العقائدية المغلقة، وأكثر حساسية تجاه القضايا الملموسة المرتبطة بالحياة اليومية: السكن، التعليم، البيئة، الحريات، المساواة والعدالة الاجتماعية.

إنه لا يتحرك غالبا تحت رايات أيديولوجية كبرى، بل عبر قضايا جزئية تبدو متفرقة، لكنها تعبر في العمق عن أزمة شاملة للنظام القائم.

وهنا تكمن إحدى أهم معضلات اليسار المعاصر: كيف يمكن تحويل هذا الغضب المشتت إلى مشروع سياسي متماسك؟

بين الفردانية الجديدة وإمكانية الفعل الجماعي

أنتجت النيوليبرالية أفرادا يشعرون بأنهم مسؤولون بشكل فردي عن نجاحهم وفشلهم. وقد بلغ هذا المنطق ذروته مع جيل Z.

فالفرد اليوم مطالب ببناء هويته بنفسه، وتسويق ذاته بنفسه، وتحقيق نجاحه بنفسه. غير أن هذا الوعد بالتحرر الفردي يخفي واقعا من الهشاشة الاجتماعية والاقتصادية المتزايدة.

ومن هنا ينبع التناقض الأساسي لهذا الجيل: فهو الأكثر فردانية في التاريخ الحديث، لكنه أيضا الأكثر إدراكا لأزمة العالم المشتركة.

إن قضايا المناخ، وعدم المساواة، والحروب، والبطالة، تكشف له باستمرار أن المشكلات الكبرى لا يمكن حلها بشكل فردي، بل تتطلب أشكالا جديدة من الفعل الجماعي.

جيل Z واليسار: فرصة تاريخية أم لحظة ضائعة؟

إن السؤال المطروح أمام القوى التقدمية ليس كيف تعلم جيل Z السياسة، بل كيف تتعلم منه أشكالا جديدة لممارسة السياسة.

فالأجيال الجديدة لا تنتظر وصاية تنظيمية أو أيديولوجية، بل تبحث عن فضاءات ديمقراطية حقيقية للمشاركة وصنع القرار.

وإذا استمر اليسار في مخاطبة هذا الجيل بلغة القرن العشرين، فإنه سيجد نفسه معزولا عن أهم قوة اجتماعية صاعدة في المجتمع.

أما إذا استطاع الربط بين النضالات اليومية للشباب وبين نقد جذري للرأسمالية المعاصرة، فقد يتحول جيل Z إلى أحد أهم روافد إعادة بناء المشروع التحرري في القرن الحادي والعشرين.

خاتمة

ليس جيل Z بطبيعته ثوريا ولا محافظا، إنه نتاج تناقضات عصره، يحمل داخله عناصر الاندماج في النظام وعناصر التمرد عليه في الوقت نفسه.

لكن المؤكد أن هذا الجيل يعيش تجربة تاريخية مختلفة عن كل ما عرفته الأجيال السابقة، فهو أول جيل يدخل الحياة العامة في زمن أزمة شاملة للرأسمالية العالمية، وفي زمن تتآكل فيه شرعية المؤسسات القديمة دون أن تتبلور بعد بدائل جديدة.

ولهذا السبب، فإن فهم جيل Z ليس قضية تربوية أو ثقافية فقط، بل هو مدخل أساسي لفهم الصراعات السياسية والاجتماعية التي ستطبع العقود المقبلة.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن