قراءة نقدية للملخص التنفيذي للتقرير الوطني السابع للتنمية البشرية - ليبيا 2025

حسين سالم مرجين
2026 / 6 / 13

تأتي هذه المقالة النقدية بناءً على مراجعة دقيقة وفحص متأنٍ للملخص التنفيذي لمسودة التقرير الوطني السابع للتنمية البشرية 2025، شملت الجوانب المفاهيمية والمنهجية والمؤشرات والأرقام؛ وذلك انطلاقًا من المسؤولية المهنية والوطنية، وارتباطًا بمقررات التدريس والبحث في أقسام علم الاجتماع. وقد رصدتُ في هذا السياق فجوة بنيوية تمثلت في الخلط التام بين مصطلحي (الرقمنة) و(التحول الرقمي)، والتبادل العشوائي بينهما في مواضع عدة من التقرير. ولتأكيد هذا الاستنتاج علمياً، تم التواصل مع خبراء متخصصين في مجالات التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، والذين أجمعوا على جوهرية الفارق بين المفهومين؛ فالرقمنة تعني تقنيًا تحويل الوثائق والمستندات من الصيغة الورقية إلى الرقمية، في حين يُمثّل التحول الرقمي إطارًا أشمل يقود لتغيير المنظومات، وآليات العمل، والحوكمة، والقدرات المؤسسية.
وتبرز المفارقة الهيكلية في التقرير عند حصر عنوان الفصل في الفهرس تحت مسمى عصر الرقمنة، بينما يشير متن التقديم (ص 18) وقسم الحوكمة (ص 28) إلى عملية تحول مجتمعي شامل. إن هذا الاختزال اللفظي يقلص المعنى التنموي، ويُسند أدواراً مستحيلة للرقمنة باعتبارها مجرد أداة تمهيدية. ومن ثم، يتطلب الأمر إعادة ضبط الإطار المرجعي واعتماد تعريف موحد يضمن اتساق العناوين الكبرى مع المضمون، ويميّز بوضوح بين الرقمنة كخطوة إجرائية، والتحول الرقمي كمنظومة استراتيجية شاملة.
وعلى صعيد العرض البياني، يورد التقرير في فصول القطاعات نسبًا مئوية مستمدة من استبيانات وطنية مثل: 53.9%، 45.6%، 66.6%، دون تقديم الحد الأدنى من الشفافية المنهجية التي تمنح هذه الأرقام مصداقيتها العلمية. وإزاء هذا الغياب، يتطلب التقرير توضيحًا للمحددات التالية:
• حجم العينة الإجمالي ومستوى الثقة الإحصائي.
• طريقة التمثيل جغرافيًا، وأكاديميًا، أو بحسب فئات المستجيبين .
• أداة الاستبانة من حيث الاسم والأبعاد المعتمدة.
• المدى الزمني المخصص لجمع البيانات ميدانيًا
إن غياب هذه المعلومات يُفرغ الأرقام من وزنها الإحصائي، ويجعلها في نظر القارئ المتخصص أقرب إلى أرقام عرضية لا إلى نتائج قابلة للتفسير والتحقق. ومن ثم، تبرز الحاجة إلى إدراج بطاقة منهجية مختصرة لكل استبانة تتضمن: مجموعة النتائج، فترة الجمع، طريقة التمثيل، ومصدر الأداة، أو الإحالة إلى ملحق منهجي توضيحي مفصل.
علاوة على ذلك، تحول الجدول رقم (1) الخاص بمؤشرات الحوكمة الرقمية، من أداة عرض علمية معيارية إلى مساحة لعبارات إنشائية وتوصيفات عامة في خانة (القيمة / التقدير)؛ مثل وصف التهديدات السيبرانية بعبارة مرتفعة ومتزايدة، ووصف مؤشر غياب التشريعات بعبارة لا توجد لوائح تنفيذية، وتوصيف غياب التكامل بكلمة مستمر؛ بما يخالف منطق القياس الكمي والتقدير المعياري القابل للتحقق. واقترن ذلك بإهمال التنسيق الفني عبر دمج نسبتين مختلفتين في سطر واحد %72 - %88.5، فضلاً عن إيراد نسب مئوية قطعية أخرى مثل: 40% لنمو التجارة الإلكترونية، و300% لنمو الدفع الإلكتروني، و12% لنسبة موظفي القطاع العام المؤهلين رقمياً، و60% لنسبة المواطنين المفضلين للطرق التقليدية دون تقديم أي إيضاح منهجي حول كيفية الحصول على هذه النسب، أو المؤشرات الفرعية المعتمدة في حسابها، أو سبل التحقق الإحصائي من دقتها وصحتها مراجعياً. ومن ثم، تبرز الحاجة إلى ضرورة إعادة بناء الجدول وفق إطار قياس منضبط يحدد المعيار، ومصدر الدرجات، وطريقة التحويل، والآلية المنهجية للتحقق من صدق المؤشرات، مع إخراج القيم بصيغة رقمية أو معيارية متسقة.
من جهة أخرى، يغرق التقرير في لغة دبلوماسية وتعبيرات إنشائية مفرطة مثل جملة سياق وطني معقد وتحديات مركبة، متجنبًا التسمية الصريحة للانقسام السياسي والمؤسساتي وتعدد الحكومات؛ وهو التغييب الذي يُخفي السبب الجوهري وراء انهيار منحنى التنمية البشرية (ص 20)، وتشتت خطط الحوكمة والربط الشبكي، وهدر الميزانيات التنموية للبلديات. وفي المقابل، تتسم اللغة بالتعميم في مواطن عدة، حتى بات المكتوب صالحًا لأي دولة تعاني من نزاعات دون ملامسة الخصوصية الليبية. ويتجلى ذلك في القفز فوق التحديات المحلية واستدعاء جائحة كورونا (ص 21) أو التغيرات المناخية وعاصفة دانيال (ص 31) لتبرير هشاشة قطاعي التعليم والصحة، مع تجاهل تام للانقسام الحكومي، وتدمير المدارس، وأزمات انقطاع التيار الكهربائي، ونقص السيولة المالية، وضعف أو شح شبكات الاتصالات في الأطراف والمناطق النائية. ولا شك أن القارئ قد لاحظ، بعد استعراض هذه القراءة النقدية التحليلية، أن ملخص التقرير سيكون أكثر نضجاً وقبولاً من الناحيتين العلمية والمنهجية لو أُخذت هذه الملاحظات والتصويبات بعين الاعتبار. عموماً، إن الاسترسال في حشد المزيد من الأمثلة والشواهد التي تُبرز الفجوات المنهجية، وقدرتها على توجيه مسارات التحول الرقمي والتنموي بشكل صحيح، يُعد أمرًا بالغ الأهمية؛ بيد أنني رأيتُ الاكتفاء بهذا القدر لتسليط الضوء على مكامن الخلل الجوهرية، تاركًا لفريق الإعداد فرصة المراجعة الشاملة والتصحيح، لتقديم وثيقة وطنية رصينة تليق بتطلعات التنمية البشرية في ليبيا.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن