سباق القواعد الأمريكية في شرق أوروبا: الأمن القومي أم تأمين بقاء النخب؟

زياد الزبيدي
2026 / 6 / 13

ترجمة وتحليل د. زياد الزبيدي

من يربح معركة النفوذ الجديدة على حدود روسيا؟

في وقت تتزايد فيه النقاشات حول مستقبل الأمن الأوروبي وإمكانية إعادة صياغة العلاقة بين موسكو وواشنطن، برزت خلال الأشهر الأخيرة ظاهرة لافتة تمثلت في سعي عدد من دول أوروبا الشرقية، وعلى رأسها بولندا ودول البلطيق، إلى إستضافة مزيد من القوات والمنشآت العسكرية الأمريكية، بل وحتى طرح فكرة نشر أسلحة نووية أمريكية على أراضيها.
هذه الظاهرة كانت محور مقال تحليلي نشره المفكر الروسي تيموفي بورداشوف، مدير البرامج في منتدى فالداي، في الرابع من حزيران/يونيو 2026 تحت عنوان «إلى أين يقود السباق نحو القواعد الأمريكية؟».
ويقدم الكاتب قراءة تتجاوز التفسير الأمني التقليدي، معتبراً أن القضية لا تتعلق فقط بالدفاع والردع، بل ترتبط أيضاً بطبيعة السلطة والسيادة ومستقبل النخب السياسية الحاكمة في عدد من دول شرق أوروبا.
ورغم أن أطروحته تنطلق من رؤية روسية واضحة، فإنها تثير أسئلة أوسع تتعلق بمفهوم السيادة، وحدود التحالفات العسكرية، والعلاقة بين الأمن الخارجي والإستقرار الداخلي، في قارة لا تزال تعيش على وقع إرث الحرب الباردة وصراعات التاريخ.

القواعد العسكرية كضمانة سياسية

يرى بورداشوف أن بعض الحكومات في أوروبا الشرقية لا تنظر إلى الوجود العسكري الأمريكي بإعتباره مجرد وسيلة دفاعية، بل بإعتباره ضمانة سياسية طويلة الأمد.
فبحسب قراءته، يمنح الإرتباط المباشر بالولايات المتحدة لهذه الحكومات إجابات جاهزة عن أسئلة معقدة تواجهها أي دولة: كيف تؤمن نفسها؟ وما هو موقعها الإستراتيجي؟ وكيف تحافظ النخب الحاكمة على إستقرار النظام السياسي في مواجهة الضغوط الداخلية؟
ويذهب الكاتب إلى أن نقل جزء كبير من مسؤولية الأمن الوطني إلى قوة عظمى خارجية يخفف من الأعباء الملقاة على الدولة، ويمنح النخب الحاكمة شعوراً أكبر بالإستقرار، خصوصاً في المجتمعات التي تواجه تحديات إقتصادية أو إجتماعية متزايدة.
ومن هنا يفسر الحماس البولندي لإستضافة قوات أمريكية إضافية يجري الحديث عن نقلها من ألمانيا، كما يفسر التصريحات الليتوانية المتعلقة بإمكانية إستضافة أسلحة نووية أمريكية.

السيادة والأمن: معادلة معقدة

أحد المحاور الرئيسية في المقال يتمثل في العلاقة بين السيادة الوطنية والحماية الخارجية.
فالكاتب يطرح سؤالاً جوهرياً: هل تستطيع الدولة أن تحتفظ بإستقلالها الكامل عندما تصبح مسؤولية أمنها مرتبطة بشكل وثيق بقوة أجنبية؟
في نظره، يؤدي الإعتماد المفرط على المظلة الأمنية الأمريكية إلى تقليص هامش القرار الإستراتيجي الوطني، حتى وإن وفر شعوراً أكبر بالأمان.
غير أن المدافعين عن هذه الترتيبات يطرحون رؤية مختلفة، مفادها أن التحالفات العسكرية الحديثة لا تنتقص من السيادة بقدر ما تعززها، لأن الدول الصغيرة والمتوسطة تجد فيها وسيلة لحماية أمنها ضمن منظومات دفاع جماعي واسعة.
ومن هنا يتحول النقاش حول القواعد العسكرية إلى نقاش أعمق حول مفهوم السيادة في عالم تتشابك فيه المصالح والتحالفات الدولية.

الذاكرة التاريخية الروسية

لا يمكن فهم الموقف الروسي من توسع الوجود العسكري الغربي في شرق أوروبا من دون العودة إلى الخلفية التاريخية التي تشكلت عبر قرون.
ففي الوعي الإستراتيجي الروسي تحتل مسألة الغزوات القادمة من الغرب مكانة مركزية. ويستشهد المؤرخون الروس بالغزو البولندي ـ الليتواني لموسكو في مطلع القرن السابع عشر، والحرب الشمالية الكبرى مع السويد في القرن الثامن عشر، وحملة نابليون عام 1812، ثم الغزو الألماني خلال الحربين العالميتين، وخاصة الهجوم النازي عام 1941 الذي كلف الإتحاد السوفياتي خسائر بشرية ومادية هائلة.
ومن هذا المنطلق، يرى العديد من المفكرين الروس أن البحث عن عمق إستراتيجي وضمانات أمنية على حدود روسيا الغربية يمثل إستجابة تاريخية لتجارب متكررة من الحروب والغزوات التي هددت وجود الدولة الروسية نفسها.

الذاكرة التاريخية في أوروبا الشرقية

في المقابل، تنطلق دول أوروبا الشرقية من تجربة تاريخية مختلفة.
فبالنسبة لعدد من النخب السياسية في بولندا ودول البلطيق، ترتبط مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية بإندراج بلدانها ضمن المجال السياسي والأمني السوفياتي الذي تشكل في أوروبا عقب إنتصار الحلفاء على ألمانيا النازية. وترى هذه النخب أن إستقلال قرارها الإستراتيجي تعزز بعد إنتهاء الحرب الباردة وإنضمامها إلى المؤسسات الأوروبية والأطلسية، الأمر الذي يفسر تمسكها بالشراكة الأمنية مع الولايات المتحدة وحلف الناتو.
ومن المهم التمييز هنا بين مسألتين مختلفتين تاريخياً: فمن جهة، شهدت روسيا عبر تاريخها حروباً وغزوات واسعة النطاق إستهدفت أراضيها ووجودها السياسي، ومن جهة أخرى شهدت أوروبا ما بعد عام 1945 نشوء منظومة نفوذ ومجالات أمنية تشكلت في إطار التوازنات التي أفرزها إنتصار الحلفاء في الحرب العالمية الثانية. والخلط بين هاتين الظاهرتين يؤدي غالباً إلى تبسيط مفرط للتاريخ الأوروبي المعقد.

يالطا والنظام الأوروبي بعد الحرب

تشكل ترتيبات ما بعد الحرب العالمية الثانية إحدى أكثر القضايا إثارة للجدل في الدراسات التاريخية والسياسية.
فالنظام الأوروبي الذي نشأ بعد عام 1945 لم يكن نتيجة قرارات سوفياتية أو أمريكية منفردة، بل جاء في إطار تفاهمات القوى المنتصرة في الحرب، ولا سيما في مؤتمري يالطا وبوتسدام، حيث جرى رسم ملامح النظام الأمني والسياسي الجديد في القارة.
ويرى بعض الباحثين أن مناطق النفوذ التي تشكلت لاحقاً كانت إمتدادًا طبيعياً لهذه التفاهمات، فيما يرى آخرون أن تلك الترتيبات قيدت قدرة العديد من الدول على ممارسة إستقلالها الكامل. وبين هذين التفسيرين ما زال الجدل التاريخي قائماً حتى اليوم.

مفارقة الإنسحاب الروسي والبقاء الأمريكي

بعد إنهيار الإتحاد السوفياتي، إنسحبت القوات الروسية من دول أوروبا الشرقية ومن ألمانيا الشرقية السابقة، وإنتهت المنظومة العسكرية التي كانت تقودها موسكو في القارة، أي تم حل حلف وارسو .
في المقابل، إستمر الوجود العسكري الأمريكي كما كان في الدول الأوروبية، وعلى رأسها ألمانيا وإيطاليا وغيرها، ضمن إطار حلف الناتو.
ويرى بعض المحللين أن هذه المفارقة تطرح تساؤلات حول طبيعة النظام الأمني الأوروبي بعد الحرب الباردة، وحول ما إذا كان إنتهاء المواجهة بين المعسكرين قد أدى بالفعل إلى توازن جديد، أم إلى إنتقال مركز الثقل العسكري في القارة نحو بنية أمنية تقودها الولايات المتحدة.
أما التفسير الغربي السائد فيؤكد أن هذا الوجود العسكري يتم بناءً على إتفاقات وتحالفات قائمة بين دول ذات سيادة، ويستند إلى إعتبارات الدفاع الجماعي والإستقرار الإقليمي.

المادة الخامسة وحدود الضمانات

رغم المكانة الرمزية الكبيرة للمادة الخامسة من ميثاق حلف الناتو، فإن بعض دول أوروبا الشرقية تسعى إلى ما هو أبعد من الضمانات القانونية.
فوجود قوات أمريكية فعلية على الأرض يُنظر إليه في وارسو وفيلنيوس وريغا وتالين بوصفه ضمانة أكثر صلابة من النصوص والإلتزامات النظرية.
ومن هنا يمكن فهم الإصرار المتزايد على إستضافة قواعد ومنشآت وقوات إضافية، خصوصاً في ظل إستمرار التوتر بين روسيا والغرب.

أوروبا بين سرديتين

في جوهر الأمر، لا يدور الجدل الحالي حول القواعد العسكرية فقط، بل حول قراءتين مختلفتين للتاريخ الأوروبي.
السردية الروسية تؤكد أن أخطر التهديدات التي واجهت الدولة الروسية جاءت من الغرب، وأن معظم الحروب الوجودية التي خاضتها روسيا عبر القرون إنطلقت من المجال الأوروبي.
أما السردية السائدة في بولندا ودول البلطيق فتركز على أهمية الإندماج في المؤسسات الغربية بإعتباره الضمانة الأساسية لأمنها وإستقرارها في مرحلة ما بعد الحرب الباردة.
وبين هاتين الرؤيتين تتشكل كثير من التوترات الأمنية والسياسية التي تشهدها القارة الأوروبية اليوم.

الخلاصة

يكشف الجدل حول القواعد الأمريكية في أوروبا الشرقية أن الصراع الدائر لا يتعلق فقط بالأسلحة والقوات والتحالفات، بل يمتد إلى مفاهيم أعمق تتعلق بالسيادة والذاكرة التاريخية والهوية الإستراتيجية.
فبالنسبة لروسيا، يمثل إقتراب البنى العسكرية الغربية من حدودها إمتدادًا لهواجس أمنية تشكلت عبر قرون من الحروب والغزوات القادمة من الغرب.
أما بالنسبة لبولندا ودول البلطيق، فإن تعزيز الشراكة العسكرية مع الولايات المتحدة يُنظر إليه بإعتباره إستثماراً في الأمن والإستقرار ضمن البيئة الإستراتيجية التي تشكلت بعد نهاية الحرب الباردة.
وبين هذين المنظورين المتعارضين، يبدو أن أوروبا لا تزال تبحث عن صيغة جديدة للأمن الجماعي، صيغة تستطيع التوفيق بين ذاكرة الماضي ومتطلبات المستقبل، وبين حق الدول في إختيار تحالفاتها وحق القوى الكبرى في البحث عن بيئة أمنية مستقرة على حدودها.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن