المرأة: فخ الطبيعة العبقري.. والضحية الأولى لمذبح البقاء

احمد كانون
2026 / 6 / 13

في سعينا الدؤوب لتفكيك آليات الطبيعة الميكيافيلية (النفعية المجردة من الأخلاق والموجهة لتحقيق الغاية)، نصل إلى نقطة التقاء حتمية تتصادم فيها الأوهام الذكورية مع الرومانسية الأنثوية. لقد رأينا كيف يُختزل الذكر إلى مجرد "ناقل جيني"، وكيف أن الأنثى لا تملك سيادة حقيقية. لكن الهيكل التكاملي لهذه المسرحية الكونية يتجلى في أبهى صوره عندما ندرك الوظيفة المزدوجة للأنثى: إنها "الفخ" الأذكى الذي نصبته الطبيعة لاصطياد الذكر، وفي الوقت ذاته، هي "المفعول به" الأكبر الذي يُستنزف بلا هوادة لصالح الجيل القادم!.
طُعم البقاء: الأنثى كفخ بيولوجي:
لكي تضمن الطبيعة استمرار الشفرة الوراثية، كان لا بد من دافع قوي يجبر الذكر على التخلي عن حذره، واستهلاك طاقته، وربما المخاطرة بحياته في صراعات الهيمنة. هنا، تم تصميم الأنثى لتكون "الفخ البيولوجي" (الطُعم الحيوي) المثالي. من خلال إشارات الفيرومونات (المركبات الكيميائية الجاذبة)، والسمات الجسدية، والنداءات الغريزية، تتحول الأنثى إلى مركز جاذبية لا يُقاوم.
يعتقد الذكر، في ذروة اندفاعه، أنه يمارس سيطرته ويحقق انتصاره الذاتي بالغزو والظفر بالشريك. لكنه في الحقيقة يسير مغمض العينين في مسار التكيف التطوري (الانصياع الأعمى لقوانين البقاء). هو لا يغزو؛ بل يقع في الفخ. يتم استدراجه لتفريغ شحنته الجينية، ليؤدي دوره القصير وينتهي، ظاناً أنه السيد، بينما هو مجرد أداة تم التلاعب بها بواسطة الجاذبية الأنثوية التي صاغتها الطبيعة ببراعة لتوريطه في عجلة التكاثر.
الانقلاب التراجيدي: من فخ إلى "مفعول به":
بمجرد أن يُغلق الفخ ويتم التلقيح، تنقلب اللعبة بشكل جذري. هنا تسقط الأنثى من عرش "الجاذبية" لتتحول فوراً إلى أداة مستهلكة، أو "مفعول به" خاضع تماماً لمتطلبات الذرية.
الجنين الذي يتشكل في أحشائها ليس مجرد امتداد رومانسي للحب، بل يمارس، من منظور بيولوجي صارم، سلوكاً يقترب من التطفل الجنيني (كائن يعيش ويقتات على حساب موارد كائن آخر). يقوم هذا الجيل الجديد باختطاف جسد الأم:
• الاستنزاف الفسيولوجي (الإنهاك الجسدي المنهجي): يسحب الجنين الكالسيوم من عظامها، والمواد المغذية من دمها، ويفرض ضغطاً هائلاً على أجهزتها الحيوية، حتى لو كان ذلك على حساب صحتها العامة أو تعريض حياتها لخطر الموت.
• إعادة البرمجة العصبية (تغيير كيمياء الدماغ): تتدخل الطبيعة كيميائياً عبر إفراز هرمونات مكثفة مثل الأوكسيتوسين (هرمون الارتباط العاطفي) لتضمن ألا تتخلى الأم عن هذا العبء المنهك!. إنها تُبرمجها لتتعلق بجلادها البيولوجي وتضحي بحياتها وراحتها من أجله.
الأنثى إذن تعيش مفارقة قاسية: تُمنح الجمال، والجاذبية، والقدرة على انتقاء الشريك، لا لتكون سيدة متوجة، بل لتعمل كشبكة صيد تجر الذكر إلى ساحة التكاثر. وما إن تنجح في مهمتها، حتى تلتف شباك الطبيعة حول عنقها هي، لتُقيدها بأغلال الحمل، والولادة، والرضاعة، والحماية الطويلة.
في النهاية، لا الذكر منتصر بنشوته هزة الجماع المؤقتة!، ولا الأنثى منتصرة بجاذبيتها أو أمومتها. الفائز الأوحد في هذه المعادلة الباردة هو "الجين الأناني" (الشفرة الوراثية التي تسعى لنسخ نفسها وتخليد ذاتها). الطبيعة تستخدم الأنثى كفخ محكم لاصطياد الذكر، ثم تحولها إلى قربان يُذبح على مذبح الاستمرارية لتغذية الذرية. إنها الدورة الأبدية التي تُسقط عنا جميعاً أوهام الإرادة الحرة، وتثبت أننا مجرد أدوات في يد نظام لا يعترف إلا بقانون واحد: البقاء بأي ثمن.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن