البعبع الذي لا يموت .

حامد الضبياني
2026 / 6 / 12

من أعجب ما في هذا الشرق أن الوحش الذي يهدد بابتلاع الجميع لا يبتلع أحداً منذ عقود، وأن الشبح الذي يملأ الشاشات ضجيجاً لا يغادر حدود المسرح، وأن البعبع الذي يُرفع في وجوه العرب كلما طالبوا بحقوقهم أو سألوا عن أموالهم أو فتشوا في دفاتر النهب الكبرى، يبقى حياً معافى، محفوظاً بعناية أشبه بعناية أصحاب المتاحف بآثارهم النادرة، فلا يموت ولا ينتصر، ولا يختفي ولا يظهر إلا بالمقدار الذي تقتضيه حاجة السوق السياسية.إن الفلسفة القديمة كانت تقول إن الإنسان يخاف المجهول، أما فلسفة هذا العصر فتقول إن الحكومات تخاف شعوبها إذا توقف المجهول عن إخافتها، ولذلك لا بد من صناعة خوف دائم، وحارس لهذا الخوف، وكائن أسطوري يقف عند بوابة المنطقة كالتنين في الحكايات القديمة، مهمته أن يبرر كل شيء؛ صفقات السلاح، والقواعد العسكرية، والتحالفات المؤقتة، والضرائب الخفية، والديون المتراكمة، وحتى الفشل السياسي الذي لا يجد له المسؤولون تفسيراً سوى أن "الخطر ما زال قائماً".في كل مرة يظن العربي أن المسرحية انتهت، ترتفع الستارة من جديد على المشهد ذاته، تتغير الوجوه أحياناً، وتتبدل الأزياء، وتتغير أسماء العمليات العسكرية، لكن النص يبقى هو النص، والممثلون أنفسهم يؤدون الأدوار ذاتها بحماس المبتدئين رغم أن الجمهور حفظ الحوارات عن ظهر قلب. صاروخ هنا، وتصريح ناري هناك، وتهديد يزلزل الشاشات، ثم تنتهي الليلة الدرامية كما بدأت، ويبقى الجميع في أماكنهم، وكأن الغاية ليست الحسم بل استمرار العرض.ولعل أكثر ما يثير الضحك في هذه الكوميديا السوداء أن القوى العظمى التي تختلف على كل شيء تقريباً، من التجارة إلى الفضاء إلى الذكاء الاصطناعي، تبدو أحياناً وكأنها تتفق على شيء واحد فقط: ضرورة بقاء الخوف حياً.فالخوف عملة سياسية نادرة، وإذا فقدت الأسواق السياسية هذا المورد الاستراتيجي العظيم فستضطر الشعوب إلى طرح أسئلة مزعجة للغاية؛ أين ذهبت الأموال؟ ولماذا تتضاعف الموازنات العسكرية بينما تتآكل المدارس والمستشفيات والجامعات؟ ولماذا تزداد الحماية كل عام بينما يزداد الشعور بالخطر معها؟
إن البعبع في الفلسفة السياسية الحديثة ليس عدواً بالضرورة، بل وظيفة. وظيفة اقتصادية وإعلامية واستراتيجية. إنه أشبه بذلك الفأر الذي يظهر كل ليلة في البيت، فيستدعي أصحاب المنزل عشرات الحراس والخبراء والمستشارين، ثم يختفي قبل أن يمسك به أحد، لأن اختفاءه النهائي سيؤدي إلى بطالة جماعية في صناعة المطاردة.ولهذا يبدو الشرق الأوسط أحياناً كمسرح هائل لا يبحث فيه أحد عن نهاية القصة، بل عن تمديد الموسم إلى سنوات إضافية. فالحروب القصيرة لا تربح كثيراً، أما الأزمات الطويلة فهي مناجم ذهب سياسية واقتصادية لا تنضب. وحين يتعب الجمهور من فصل الرعب، يُضاف إليه فصل جديد من البطولة، ثم فصل من التهديد، ثم فصل من الردع، ثم يعود الجميع إلى نقطة البداية وكأن الزمن يدور في طاحونة صدئة لا تنتج سوى المزيد من الخوف.والمفارقة الساخرة أن الشعوب العربية، وهي الضحية الأولى لكل هذا العرض الطويل، تُستدعى دائماً لدفع ثمن التذكرة الأغلى. تدفع من أمنها، ومن اقتصادها، ومن مستقبل أجيالها، ثم تُطلب منها في نهاية العرض وقفة تصفيق حارة للممثلين الذين أقنعوها بأن استمرار الأزمة هو انتصار، وأن بقاء الخطر هو دليل النجاح، وأن عدم الوصول إلى الحل هو قمة الحكمة السياسية.ولو أن فيلسوفاً من زمن الإغريق عاد إلى الحياة وشاهد ما يجري، لربما كتب كتاباً جديداً بعنوان "الجمهورية والخوف"، يشرح فيه كيف يمكن لوحشٍ لا يموت أن يصبح أهم من الشعوب نفسها، وكيف تتحول السياسة من فن إدارة المصالح إلى فن إدارة المخاوف، وكيف يصبح البعبع ضرورة استراتيجية لا يجوز الاقتراب منها لأنها جزء من هندسة المشهد كله.
وهكذا يستمر العرض، وتستمر الطبول، وتستمر الخطب، وتستمر الموازنات المفتوحة، ويبقى البعبع واقفاً في منتصف المسرح يؤدي دوره بإتقان مدهش، لا ينتصر انتصاراً كاملاً ولا يُهزم هزيمة كاملة، لأنه لو حدث أحد الأمرين لانتهت المسرحية، ولاضطر الجميع أخيراً إلى مواجهة السؤال الذي يخشاه السحرة أكثر من أي شيء آخر: ماذا لو اكتشف الجمهور أن الوحش كان مجرد ظلٍّ كبير على الجدار؟

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن