فقه الكرش الممتلئ.. حين يُطلب من الجائع أن يزهد في رغيفه.

حامد الضبياني
2026 / 6 / 11

في الأزمنة التي يختلط فيها المقدس بالمصلحة، وتضيع فيها الحدود بين الرسالة والتجارة، يظهر ما يمكن تسميته بفقه الكرش الممتلئ، ذلك الفقه الذي لا يدعو صاحبه إلى الزهد فيما يملك، بل يدعو الآخرين إلى الزهد فيما لا يملكون، ويطلب من الفقير أن يصبر على الجوع بينما يتحدث إليه من وراء موائد عامرة، ومن فوق منابر مكسوة بالنفوذ والمال والامتيازات.ولعل أكثر المفارقات إيلاماً في التاريخ الإنساني أن الفقير كان دائماً الهدف الأسهل للمواعظ، فهو الذي يُطلب منه الصبر، ويُطلب منه القناعة، ويُطلب منه الرضا، ويُطلب منه أن ينتظر عدالة السماء، بينما لا يُطلب من الذين احتكروا الثروة أن يعيدوا ما أخذوه، ولا من الذين سرقوا الحقوق أن يعترفوا بسرقاتهم، ولا من الذين بنوا أمجادهم فوق ظهور الجياع أن يتنازلوا عن شيء من امتيازاتهم. وكأن الأخلاق في بعض الأزمنة لم تعد واجباً على الأقوياء، بل صارت واجباً حصرياً على الضعفاء.إن الله، في جوهر الرسالات، غني عن العالمين، ولم يخلق الفقر ليكون قدراً مقدساً، ولم يجعل الجوع عبادة، ولم يحوّل الحرمان إلى وسام شرف.فالعدل كان دائماً جوهر الرسالة، والكرامة كانت دائماً مقصدها، والإنسان كان دائماً غايتها. لكن بعض تجار الخطاب الديني عبر التاريخ نجحوا في تحويل النصوص من أدوات لتحرير الإنسان إلى أدوات لترويضه، ومن دعوات للعدالة إلى مبررات للسكوت على الظلم.فحين يجلس الفقير أمام مسؤول سرق المال العام ثم يسمع خطبة طويلة عن فضيلة الصبر، تتحول الكلمات إلى سخرية. وحين يرى العامل الذي أفنى عمره في الخدمة من يعيش في القصور باسم الدين ثم يسمع حديثاً عن القناعة، تتحول الموعظة إلى مفارقة مؤلمة. وحين تُنهب حقوق الأرامل والأيتام والمتقاعدين والكادحين، ثم يُطلب منهم أن يشكروا الله على ما هم فيه، يصبح السؤال مشروعاً: هل المشكلة في السماء أم في الذين نصبوا أنفسهم وكلاء عنها؟..لقد كان الأنبياء يقفون إلى جانب المظلومين، أما بعض المتاجرين بالدين فوقفوا إلى جانب الامتيازات. كان الأنبياء يواجهون الطغاة، أما هؤلاء فغالباً ما يطلبون من الضحايا المزيد من الصبر على الطغيان. كان الأنبياء يرفعون صوت العدالة، أما هؤلاء فيرفعون صوت التبرير. وبين الموقفين مسافة بحجم الفرق بين الرسالة واستغلال الرسالة.والأعجب أن بعضهم يغضب إذا طالب الفقير بحقه، لكنه لا يغضب حين تُسرق خزائن الأوطان. يهاجم الطامع برغيف، لكنه يصمت أمام الطامعين بقارات من الأموال. يوبخ العامل لأنه حلم بحياة كريمة، لكنه لا يوبخ الفاسد الذي بنى ثروته من دموع الناس.وهكذا يصبح الجائع متهماً، بينما يتحول السارق إلى واعظ، ويصبح المظلوم محل شبهة، بينما يرتدي الظالم عباءة الفضيلة.إن أخطر أنواع السخرية من آيات الله ليست تلك التي تأتي من الملحد أو المشكك، بل تلك التي تأتي من الذي يرفع الآية بيد، ويصادر حقوق الناس باليد الأخرى. لأن الآية التي تدعو إلى العدل تُهان حين تُستخدم لتبرير الظلم، والآية التي تدعو إلى الرحمة تُهان حين تُستخدم لإدامة القسوة، والآية التي تدعو إلى الإنصاف تُهان حين تتحول إلى غطاء لامتيازات لا تنتهي.ولهذا فإن الفقير لا يحتاج إلى خطبة جديدة عن الصبر بقدر ما يحتاج إلى استعادة حقه، ولا يحتاج إلى موعظة عن القناعة بقدر ما يحتاج إلى عدالة تمنع سرقة رزقه، ولا يحتاج إلى تذكيره بالجنة كل صباح بقدر ما يحتاج إلى أن يعيش إنسانيته على الأرض بكرامة. فالله لم يخلق الإنسان ليكون وقوداً لثراء الآخرين، ولم يخلق الأوطان لتتحول إلى مزارع خاصة للمتنفذين، ولم يجعل الدين جسراً تعبر عليه الامتيازات نحو المزيد من الامتيازات.ويبقى السؤال معلقاً فوق رؤوس الجميع: لو عاد الأنبياء اليوم، فهل كانوا سيجلسون على موائد المترفين ليحدثوا الجائعين عن فضيلة الجوع، أم كانوا سينزلون إلى الأزقة المظلمة ليطالبوا بحقوق الذين سُلبت منهم الحياة باسم كل الشعارات الجميلة؟ إن الجواب تعرفه الفطرة قبل أن تعرفه الكتب، وتعرفه العدالة قبل أن تكتبه القوانين، ويعرفه كل فقير أدرك أن الله لم يظلمه يوماً، وإنما ظلمه الذين تحدثوا باسمه وهم يملكون الدنيا كلها ويطلبون منه أن يزهد حتى في رغيف الخبز.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن