|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

حامد الضبياني
2026 / 6 / 11
ليست جريمة سبايكر مجرد صفحة دامية في سجل العراق الحديث، بل هي مرآة كبيرة انكسرت فيها صورة الدولة كلها، وانعكست على شظاياها أسئلة ما زالت تبحث عن إجابات حتى اليوم. ففي ذلك الصيف الحارق من عام 2014 لم يُقتل أبناء العراق الذين سقطوا على ضفاف دجلة لأنهم كانوا مجرد جنود عزل فحسب، بل لأنهم وجدوا أنفسهم في قلب انهيار سياسي وأمني وأخلاقي سبق الرصاص بسنوات طويلة. كانت المجزرة لحظة انكشاف مرعبة لوطن ظن أبناؤه أن الجيوش تحميهم فإذا بها تتبخر أمام أول عاصفة، وظنوا أن المؤسسات وُجدت للدفاع عنهم فإذا بها تتحول إلى هياكل خاوية لا يسمع فيها سوى صدى الخطب والشعارات.لقد تحولت سبايكر إلى رمز وطني للألم العراقي، لأنها لم تكن مجرد عملية قتل جماعي نفذها تنظيم إرهابي متوحش، بل كانت أيضاً عنواناً لفشل منظومة كاملة يفترض أنها مسؤولة عن حماية أبنائها.ومن هنا يبدأ السؤال الذي لم يمت رغم مرور السنين: من الذي ترك هؤلاء الشباب لمصيرهم؟ ومن الذي سمح بانهيار المدن الواحدة تلو الأخرى؟ ومن الذي أوصل العراق إلى اللحظة التي أصبحت فيها المحافظات تتساقط كما تتساقط أوراق الخريف اليابسة؟ إن العدالة الحقيقية لا تكتمل بمعاقبة القاتل المباشر وحده، بل تمتد لتشمل كل من تسبب بالإهمال أو التقصير أو الفساد الذي مهد الطريق للجريمة.ولعل أكثر ما يؤلم العراقيين أن مأساة سبايكر، على فداحتها، لم تكن الجرح الوحيد في تلك السنوات السوداء. فالعراق كله كان ينزف من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب. كانت هناك الصقلاوية التي حملت وجع المفقودين والمغيبين، وكانت هناك بهرز ومساجدها التي تحولت إلى رماد، وكانت هناك سارية والإمام ويس وغيرها من المآسي التي فقد فيها العراقيون أبناءهم تحت عناوين مختلفة وأعلام مختلفة وذرائع مختلفة، لكن النتيجة كانت واحدة: مزيد من الدم العراقي ومزيد من الأمهات اللواتي ينتظرن أبناء لن يعودوا.لقد نجحت قوى التطرف والإرهاب، ومعها مشاريع الصراع الإقليمي والدولي، في تحويل العراق إلى ساحة تتقاطع فوقها المصالح وتتزاحم فوق أرضه الحسابات. ولم يكن المواطن العراقي البسيط سوى الضحية الدائمة لهذه اللعبة القاسية. فحين تتصارع المشاريع الكبرى غالباً ما يُدفع الفقراء إلى خطوط النار الأولى، وتُترك المدن لتدفع ثمن أخطاء السياسيين والعسكريين والمتنفذين. وهكذا وجد العراقي نفسه محاصراً بين إرهاب يقتل باسم الدين، وطائفية تقتل باسم المذهب، وفساد يقتل باسم الدولة، حتى بات الموت يتغير اسمه بينما يبقى الضحية هو الإنسان العراقي نفسه.والمأساة الأكبر أن كثيراً من هذه الجراح لم تُعالج بالعدالة بقدر ما عُولجت بالخطابات.فبدلاً من البحث الجاد عن الحقيقة الكاملة، انشغل الجميع باستثمار المأساة سياسياً. تحولت الدماء إلى شعارات انتخابية، وتحول الضحايا إلى أرقام تُستخدم عند الحاجة وتُنسى عند الحاجة أيضاً. وبين هذا وذاك بقيت آلاف العائلات تنتظر جواباً بسيطاً: من المسؤول؟ وأين الحقيقة؟ ولماذا لم يُحاسب الجميع وفق القانون مهما كانت مواقعهم أو انتماءاتهم؟
إن الأمم لا تنهض حين تحفظ أسماء الضحايا فقط، بل حين تحفظ أيضاً أسماء المقصرين والمتسببين بالكارثة.فالتاريخ لا يرحم الذين يهربون من المسؤولية، ولا يغفر للدول التي تكتفي بالبكاء على أبنائها دون أن تقتص لهم بالحق والقانون. ومن حق العراقيين جميعاً، دون تمييز، أن يعرفوا كيف سقطت الموصل، وكيف انهارت القطعات العسكرية، وكيف تمددت الجماعات الإرهابية بهذه السرعة، وكيف ضاعت المليارات التي قيل إنها صُرفت على بناء المؤسسات الأمنية، ثم اختفت عند أول اختبار حقيقي.لكن العراق، رغم كل شيء، لا يحتاج اليوم إلى ذاكرة انتقام بقدر ما يحتاج إلى ذاكرة عدالة. فالأحقاد لا تبني الأوطان، والطائفية لا تنتج إلا طائفية مضادة، والثأر لا يصنع دولة. إن دماء أبناء سبايكر ودماء ضحايا الصقلاوية وديالى والأنبار وصلاح الدين ونينوى وكل بقعة عراقية سالت فيها الدماء يجب أن تكون جسراً نحو الحقيقة لا وقوداً لحروب جديدة. فالموت لا يسأل الضحية عن مذهبه، والرصاصة لا تميز بين مدينة وأخرى، والقبور العراقية الممتدة على طول البلاد تشهد أن الألم كان عراقياً قبل أن يكون أي شيء آخر.إن أعظم وفاء لضحايا تلك السنوات ليس في تحويلهم إلى رايات للانقسام، بل في تحويل ذكراهم إلى مشروع وطني للمحاسبة والإصلاح. مشروع يعيد الاعتبار للدولة ويضع القانون فوق الجميع، ويكشف الحقائق كاملة مهما كانت مؤلمة، ويمنع تكرار الكارثة على يد أي جهة كانت. فالوطن الذي لا يحاسب المقصرين محكوم بتكرار مآسيه، والوطن الذي يدفن الحقيقة مع ضحاياه إنما يزرع بذور مأساة جديدة في مستقبل أبنائه.ستبقى سبايكر جرحاً مفتوحاً في الذاكرة العراقية، لكنها يجب أن تبقى أيضاً سؤالاً مفتوحاً أمام الضمير الوطني: كيف نحمي أبناءنا من تكرار المأساة؟ وكيف نبني دولة لا يُترك فيها الشباب لمصيرهم؟ وكيف نجعل دماء العراقيين جميعاً، من كل المدن والمكونات، أساساً لوطن يتسع للجميع ولا يضيع فيه حق إنسان بسبب اسمه أو منطقته أو انتمائه؟ عندها فقط يمكن للدم أن يتحول إلى درس، وللألم أن يتحول إلى حكمة، وللذاكرة أن تصبح طريقاً نحو وطن لا تتكرر فيه سبايكر أخرى، ولا صقلاوية أخرى، ولا أي مأساة جديدة تحمل اسم العراق. :::
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |