|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
حسين علي محمود
2026 / 6 / 11
دائما ما كان يردد ترامب في حديثه عن ان الشرق الأوسط هو منطقة صراع أبدية و الصراعات تتكرر كل 5 أو 10 سنوات ما لم يتم فرض سلام دائم.
ربما أن ترامب لم يقرأ تاريخ الشرق الأوسط ولا يعرف ما هي حضاراته ولا ثقافاته ولا تركيباته المعقدة و لكنه أطلق هذه التصريحات أو التلميحات لمجرد معرفته الخارطة الدينية والعرقية لهذه المنطقة.
لكن هذه القناعة قد يتفق معها الكثير ممن يعيشون في الشرق الأوسط حيث أن هذه الأرض ستظل منطقة صراع أبدية لن تنفع معها الاتفاقيات ولا المعاهدات السياسية و ربما يجب أن تتغير خارطة هذه المنطقة بالكامل لكي تتخلص من صراعاتها الأبدية.
لكن هل الصراع قدر محتوم على الشرق الأوسط، أم أن ما نراه اليوم هو نتيجة ظروف تاريخية و سياسية قابلة للتغيير؟! لذلك يجب النظر إلى جذور الأزمات التي شكلت واقع المنطقة الحديث.
عندما يتحدث دونالد ترامب عن الشرق الأوسط بوصفه منطقة تتكرر فيها الصراعات كل خمس أو عشر سنوات، فإنه يعبر عن رؤية شائعة في الأوساط السياسية الغربية.
هذه الرؤية ترى أن المنطقة تعيش في حالة من الاضطراب الدائم و أن الحروب فيها ليست استثناء بل هي القاعدة.
و ربما يشارك كثير من أبناء المنطقة أنفسهم هذا الانطباع خصوصاً بعد عقود طويلة من الحروب و الانقلابات و النزاعات الأهلية و التوترات الإقليمية التي لم تترك بلداً تقريباً إلا و لامسته بشكل أو بآخر.
لكن السؤال الأهم ليس ما إذا كانت المنطقة تشهد صراعات متكررة، فهذه حقيقة يصعب إنكارها و إنما لماذا تتكرر هذه الصراعات؟! و هل هي نتيجة طبيعية لثقافة الشرق الأوسط و تاريخه كما يلمح بعض السياسيين و الباحثين، أم أنها نتاج ظروف سياسية و تاريخية معقدة جعلت المنطقة تبدو و كأنها تدور في حلقة مفرغة من الأزمات؟!
من السهل على أي مراقب أن ينظر إلى الشرق الأوسط اليوم و يرى الحروب، الانقسامات الطائفية، الصراعات القومية، و التنافس الإقليمي ثم يستنتج أن هذه المنطقة محكومة بالفوضى.
لكن هذا الاستنتاج يتجاهل حقيقة أساسية و هي أن الشرق الأوسط لم يكن عبر تاريخه الطويل مجرد ساحة حروب، فهذه الأرض نفسها شهدت قيام حضارات كبرى أسهمت في بناء التراث الإنساني و احتضنت مراكز علمية، تجارية، و ثقافية كانت من أكثر مناطق العالم استقراراً و ازدهاراً في فترات طويلة من التاريخ.
المشكلة إذن ليست في جغرافيا المنطقة وحدها و لا في شعوبها بل في تراكمات تاريخية و سياسية جعلت عوامل الصراع أقوى من عوامل الاستقرار.
فبعد انهيار الإمبراطوريات التقليدية في المنطقة و لا سيما الدولة العثمانية، أُعيد رسم الحدود السياسية وفق مصالح القوى الكبرى أكثر مما رسمت وفق الحقائق الاجتماعية و الثقافية المحلية.
و نتج عن ذلك قيام دول حديثة تضم في داخلها جماعات قومية، دينية، و مذهبية متعددة دون أن تتوفر دائماً مؤسسات سياسية قادرة على إدارة هذا التنوع بصورة عادلة و مستقرة.
كما أن الموقع الجغرافي للشرق الأوسط جعله محوراً دائماً للتنافس الدولي، فهو يربط بين ثلاث قارات و يحتوي على ممرات بحرية استراتيجية كما و يضم جزء كبير من احتياطيات الطاقة العالمية.
لذلك لم تكن الصراعات المحلية فيه منفصلة عن الصراعات الدولية، فكل أزمة داخلية كانت تجد أطرافاً خارجية مستعدة للتدخل فيها أو استثمارها لخدمة مصالحها الخاصة.
و لا يمكن تجاهل أن العديد من الأنظمة السياسية في المنطقة فشلت في بناء عقد اجتماعي مستقر بين الدولة و المجتمع.
فبدلاً من تطوير مؤسسات قوية تستوعب الاختلافات و تديرها سلمياً، لجأت بعض الأنظمة إلى القمع أو الاحتكار السياسي أو إدارة التوازنات الهشة.
و عندما تضعف الدولة أو تتعرض لأزمة كبرى تظهر الانقسامات الكامنة إلى السطح و تتحول سريعاً إلى صراعات مفتوحة.
مع ذلك فإن اعتبار الشرق الأوسط منطقة صراع أبدية ينطوي على قدر كبير من التبسيط، فالتاريخ لا يعرف مناطق محكوم عليها بالحرب إلى الأبد.
حيث اوروبا نفسها شهدت حروباً دينية دامية استمرت قروناً ثم عاشت حربين عالميتين أودتا بحياة عشرات الملايين من البشر ولو وقف مراقب في سنة 1945 لربما قال إن القارة الأوروبية محكومة بالعنف و الصراع الأبدي.
لكن ما حدث لاحقاً أثبت أن المجتمعات تستطيع تغيير مسارها عندما تتوفر المؤسسات السياسية و الاقتصادية القادرة على إدارة الخلافات.
إن فكرة تغيير خرائط الشرق الأوسط بالكامل تبدو للبعض حلاً جذرياً لمشكلاته لكنها في الواقع قد تفتح أبواباً لصراعات جديدة، فالخرائط ليست مجرد خطوط على الورق بل ترتبط بهويات، ذكريات، مصالح، ومجتمعات متداخلة و التجارب التاريخية تظهر أن إعادة رسم الحدود لا تنهي النزاعات بالضرورة بل قد تنقلها من شكل إلى آخر.
المعضلة الحقيقية ليست في شكل الحدود وحده بل في طبيعة الدول و المؤسسات و العلاقات الاجتماعية داخل هذه الحدود.
فالدولة العادلة و القادرة على استيعاب التنوع قد تنجح في تحقيق الاستقرار حتى في أكثر المجتمعات تعقيداً بينما قد تنهار الدولة الضعيفة حتى لو كانت متجانسة عرقياً أو دينياً.
لذلك فإن السؤال الأهم ليس كيف نغير خريطة الشرق الأوسط بل كيف نغير الطريقة التي تدار بها السياسة في الشرق الأوسط.
فالصراعات ليست قدراً جغرافياً ولا لعنة تاريخية و إنما نتيجة خيارات و موازين قوى و مؤسسات يمكن أن تتغير مع الزمن.
وربما يكون التحدي الأكبر أمام شعوب المنطقة هو الانتقال من مرحلة إدارة الأزمات المتكررة إلى مرحلة بناء أنظمة سياسية و اقتصادية قادرة على إنتاج الاستقرار بصورة مستدامة.
لقد اعتاد العالم أن ينظر إلى الشرق الأوسط باعتباره عقدة الأزمات العالمية لكن المستقبل ليس امتداداً آلياً للماضي. فالمنطقة التي أنتجت بعضاً من أقدم الحضارات الإنسانية ليست عاجزة بطبيعتها عن إنتاج نماذج جديدة من الاستقرار و التنمية.
غير أن ذلك يتطلب إرادة سياسية، مؤسسات قوية، رؤية تتجاوز منطق الغلبة و الصراع المستمر نحو منطق الشراكة و المواطنة و المصالح المشتركة، عندها فقط يمكن كسر الحلقة التي جعلت كثيرين يعتقدون أن الحرب هي المصير الدائم لهذه الأرض.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |