محاولة لفهم التنين من خلال فلسفته والدين(5) وأخيرة. خلاصات واستنتاجات

عبدالله عطوي الطوالبة
2026 / 6 / 10

ينتمي الدين إلى حقل الثقافة والفكر، وقد ظهر في مراحل تاريخية متأثرًا بواقع الانسان بأبعاده المادية خاصة والاجتماعية والثقافية، وبأنماط تفكيره. لا يوجد فكر خارج التاريخ، بما هو حركة الانسان في الجغرافيا.
الديانات الصينية تقوم دليلًا على ما نقول، حيث ظهرت أهم ديانتين هناك، هما الكونفوشية والتاوية على أرضية تحولات اقتصادية واجتماعية في مراحل تاريخية موغلة في القِدَم. ولعل أول ما يلفت النظر في هاتين الديانتين انفتاحهما على الفلسفة، إلى حد تصنيفهما في بعض المضامين الفكرية في سياقات أم العلوم.
لا تدعي هاتان الديانتان، ولا البوذية التي انتقلت إلى الصين من الهند، أية صلة بالسماء. فقد تشكلت الكونفوشية والتاوية أصلًا من الموروث الفكري والفلسفي التاريخي للمجتمع الصيني. وعندما انتقلت البوذية من الهند إلى الصين، لم تلبث أن اصطبغت بثقافتها واكتسبت خصائصها.
ولا يُنظر إلى مؤسسي هذه الديانات على أنهم أنبياء أوحِي اليهم، مما يفرض احاطتهم بهالة من التقديس والتعظيم، بل هم إلى الفلاسفة والحكماء والمفكرين العظماء أقرب. فما يزال كونفوشيوس، على سبيل المثال لا الحصر، يُنظر إليه على أنه فيلسوف الصين الأول. أما رؤاه وأفكاره، فتخضع للنقاش والجدل وتوضع تحت مجهر النقد والمراجعة. وعليه، يصعب توظيف الدين في المجتمع الصيني لتكريس الاستبداد وتبريره بأردية المقدس. وبالقدر ذاته، يصعب أيضًا الزج به في التواءات السياسة ودهاليزها.
وما لا يقل أهمية عن ذلك إن لم يكن أهم، هو خلو هذه الديانات من التكفير. وكنا قد أشرنا إلى امكانية ممارسة الكونفوشية والتاوية والبوذية في وقت واحد، ناهيك بتشابه المعابد في الديانات الثلاث.
التكفير، هو الفاعل الرئيس الأول في تحويل الدين إلى سبب حروب أهلية ضروس، يتوهم كل من أطرافها أنه "الفرقة الناجية" وكل من عداه كافر "ملعون والدين". لذا، لم نسمع وأظننا لن نسمع عن حرب أهلية بين أتباع هذه الديانات في الصين، أو في الدول ذات الأغلبية من أتباعها. ولعل هذه السِّمَة في مقدمة أسباب استتباب الغالبية العظمى الساحقة من أبناء الأمة الصينية داخل حدود واحدة، في دولة كبرى تتهيأ لتكون الأقوى اقتصاديًّا في العالم.
الكونفوشية والتاوية والبوذية إذن، أقرب إلى فلسفات أرضية منها إلى ديانات غيبية تصرف الانسان إلى الصراع على السماء واهمال الأرض. والنتيجة غير المتوقع سواها، الاخفاق في امتلاك عناصر القوة وبالتالي، الضعف والتخلف عن الأمم القوية المتقدمة.
وبسماتها وخصائصها هذه، من الطبيعي أن تخلو هذه الديانات من الوعد والوعيد وزرع الخوف في النفوس. انها ديانات ركزت جل اهتمامها على الانسان. فلا تقرنه مع المُطلق المتعالي، لتختزله بالمحصلة في ثنائية سيد/عبد، فتنفي عنه فاعليته لتؤكد عجزه وتدفعه بالتالي الى التواكل والاتكالية.
ديانات تولي أهمية كبيرة لفضائل الأخلاق والنفع العام، بناء على طابعها الانساني ونزوعها الدنيوي.
لا تقف عائقًا أمام تطورات الحياة، وضرورات مواكبة مستجداتها وتحولاتها. فمثلما أوجدها الانسان ومَتَحَت من موروثه الحضاري، فقد كانت مطواعة بارادته ووعيه لضرورات مسايرة حركة الحياة وتحولاتها حتى على صعيدي البقاء والتلاشي.
الكونفوشية، على سبيل المثال لا الحصر، اكتمل تطوير تعاليمها على يد "شوهسي"، الذي حاز لقب توما الاكويني الكونفوشية، ولحقت بها كلمة جديدة، فصارت الكونفوشية الجديدة.
وتذهب الكونفوشية الجديدة إلى "أنه يوجد في أي عقل بشري مَلَكَة للمعرفة، كما يوجد في أي شيء مبرر وجوده. ويرجع نقص معرفتنا إلى عدم كفاية بحثنا عن عِلَّةِ كل شيء. ولا بد للطالب أن يذهب إلى جميع الأشياء الموجودة تحت قبة السماء، بادئًا من المباديء المعروفة، وساعيًا للوصول إلى أسمى المباديء. وبعد بذل الجهد الكافي، يأتي اليوم الذي يصبح كل شيء واضحًا ومفهومًا".
منذ القرن الثالث عشر الميلادي وحتى القرن العشرين، كانت كونفوشية شوهسي أو الكونفوشية الجديدة موضوع ايمان معظم المثقفين الصينيين.
بعد تولي الحزب الشيوعي الصيني السلطة عام 1949، حظر الكونفوشية والتاوية والأديان كلها، فأخذت بالتلاشي، مع أنها تركت أثرًا كبيرًا في روح الشعب الصيني، وبشكل خاص الكونفوشية.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن