خربشات على الملخص التنفيذي لتقرير التنمية البشرية في ليبيا 2026

حسين سالم مرجين
2026 / 6 / 10

كنتُ قد سجّلتُ في وقت سابق بعض الملاحظات حول فعالية التعريف بالتقرير الوطني للتنمية البشرية ومحتوياته، وذلك قبل صدوره عن هيئة العامة للمعلومات. وقد نُشرت تلك الملاحظات في مقالة كان عنوانها: التنمية البشرية بين الرقمنة والتحول الرقمي: قراءة نقدية في عرض تقرير التنمية البشرية الليبي 2026. وخلال هذا الأسبوع صدر الملخص التنفيذي لهذا التقرير. وعليه، لن أتطرّق هنا إلى مضمون الملخص أو إلى مؤشراته وأرقامه، لأسباب أحتفظ بها لنفسي، لكنني سأوثّق جوانب أخرى. لقد تزامن صدور الملخص التنفيذي مع تواجدي في جامعة سرت لتنفيذ برنامج إقليمي يستهدف بناء القدرات لأعضاء هيئة التدريس، بمشاركة فاعلة من عدة جامعات ليبية، وبالتنفيذ بين اتحاد مجالس البحث العلمي العربية والهيئة الليبية للبحث العلمي. وخلال هذه الفعالية دار بيني وبين السيد مستشار الأمين العام لاتحاد مجالس البحث العلمي العربية نقاشٌ عميق حول هذا التقرير. وقد دفعني ذلك إلى تسجيل تساؤلات وملاحظات أعتبرها جوهرية، بوصفها جزءًا من رصد الذاكرة المهنية والفكرية، وأضعها هنا كما يلي:
• أين تقف الهيئة الليبية للبحث العلمي ومراكزها البحثية المتخصصة من هذا التقرير؟ خاصةً وأن للهيئة مراكز ذات علاقة مباشرة بالتنمية المستدامة، وأن هذه المراكز عضو في الرابطة العربية للتنمية البشرية.
• أين أقسام علم الاجتماع في الجامعات الليبية من هذه التقارير؟ أليس من الأهمية بمكان مناقشة هذا التقرير في إطار المشتغلين بعلم الاجتماع، بوصفه علمًا يمس صلب القضايا التي تُدرّس وتُشرح بنيويًا داخل المجتمع؟
• هل يكفي الحديث عن التنمية البشرية بوصفها أرقامًا ومؤشرات إحصائية منزوعة السوسيولوجيا، أم أننا بحاجة إلى مفهوم التنمية الإنسانية الشاملة الذي يركّز على تمكين الإنسان كقيمة مطلقة؟
• وتأسيسًا على ذلك: هل كشف هذا التقرير واقع الإنسان الليبي كما هو، بكل تجرد وبدون طلاء أو تجميل؟ وهل رصد التحديات الحقيقية التي تعترض هذا التمكين وتحدّ منه؟
• وهنا، حسب اعتقادي، يبرز قصور واضح؛ فبالرغم من أنّ الهوية كانت جزءًا من عنوان التقرير، إلا أنه افتقر إلى الحديث المعمّق عن واقع الهوية الوطنية في ظل التحولات الرقمية المتسارعة. ويبدو هذا السياق بالغ الأهمية لسببين متقابلين: فمن جهة، أدّى التحول الرقمي دورًا حيويًا في تعزيز الهوية وضبطها عبر الرقم الوطني والعديد من التطبيقات الخدمية، مثل : منظومة منحة الزوجة والأبناء وغيرها. ومن جهة أخرى، تعرضت هذه الهوية ورقمها الوطني إلى عمليات تزوير واختراقات كبيرة تمسّ الأمن والسيادة الوطنية؛ وهو ما كان جديرًا بالاهتمام والدراسة العميقة بدل إغفاله.
• ولعل المقارنة هنا تبدو واجبة مع تقارير التنمية الإنسانية العربية الشجاعة التي أسّس سياقها الفكري الدكتور نادر الفرجاني. فقد كان هدفها الصريح يقوم على التشخيص الجريء، وكشف المسكوت عنه، ورصد التحديات البنيوية كما هي في الواقع. أما ما نلاحظه في التقارير المعاصرة، فهو تجاهل تام ومستغرب لحالة التقسيم السياسي والنزاعات المسلحة القائمة على الأرض. ومن هنا أسارع إلى القول إن هذه إشكالية تتكرر في كثير من التقارير الحكومية والدولية النمطية، إذ تميل إلى الابتعاد عن المكاشفة الحقيقية خوفًا من الاصطدام بالواقع السياسي، أو تجنبًا لإحراج الأطراف المتنازعة؛ فتأتي التقارير مبتورة ولا تلامس جذور الواقع وتحدياته.
وفي هذا السياق، أسارع أيضًا إلى التأكيد بأنني لا أدّعي امتلاك إجابات قاطعة لهذه الأسئلة. إنما أدوّنها هنا بوصفها شهادة على مرحلة، ومحاولة لفتح النقاش بدل إغلاقه. والفكرة الأساسية من هذه المقالة هي أن تبقى هذه التساؤلات حاضرة وتستمر في طرح نفسها، كي يتحول التفكير فيها إلى جهد بحثي جديد خصوصًا من قبل أساتذة علم الاجتماع بأسلوب أكثر جرأة وعمقًا وارتباطًا بالأسئلة الاجتماعية الحقيقية في بلادنا.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن