|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

حسين سالم مرجين
2026 / 6 / 10
تبدأ الكتابة السوسيولوجية الرصينة بطرح تساؤلات جوهرية، وهي: عن ماذا نكتب ؟ وماذا نكتب؟ وكيف نكتب؟ وما الخطوات المنهجية التي تقودنا إلى إنتاج علمي ملتزم بالضوابط البحثية؟
وهذا يعني ببساطة إن الكتابة السوسيولوجية ليست مجرد خواطر عابرة أو ترف فكري، بل هي استجابة موضوعية واجتماعية لضرورة تفكيك إشكالية واقعية تستدعي تشخيصًا وتفسيرًا وتحليلاً سوسيولوجيًا عميقًا. وتتمثل هذه الإشكالية في جوهرها في شبكة من العلاقات المترابطة بين متغيرات متعددة أو مأزق اجتماعي يتطلب الفهم والتحليل والتفسير. ومن هنا تتأكد أهمية أن تكون الإشكالية مُعاشة؛ إذ إن الباحث، إن لم يكن منخرطًا وجدانيًا وفكريًا في سياق الظاهرة، سيواجه صعوبة في تشخيصها وتحليل أبعادها بدقة وعمق.
فالكتابة حول أي إشكالية تتطلب منحها وقتاً كافياً للتأمل وعدم الاستعجال في صياغتها قبل النضج الفكري؛ إذ يجب معايشتها لتفكيك متغيراتها المترابطة، كمعادلة رياضية معقدة تستدعي التمهل، والبحث عن قواعد فك رموزها. وفي هذا السياق، لا ضير من تدوين عنوان الإشكالية في قصاصة تكون دائمة الحضور أمام الباحث، لضمان انخراطه الفكري والوجداني فيها حتى يمسك بمفاصلها تماماً.
وهذا يدفعنا إلى القول بأهمية أن يكون الباحث جزءًا من الإشكالية بما يمنحه القدرة على التشخيص والتحليل. ويعني ذلك بصورة منهجية كسر حياد الباحث الجامد، لا سيما في البحث النوعي، حيث تتحول الخبرة المعاشة للباحث إلى أداة علمية لرؤية الإشكالية بشكل أكثر دقة وعمق.
كما أن الادعاء بالحياد المطلق في دراسة الظواهر الاجتماعية يُعد ادعاءً غير واقعي، بالتالي يستوجب إعادة صياغة مفاهيم الحياد والموضوعية. فكيف يمكن للباحث السوسيولوجي أن يفكك أبعاد ظاهرة ما وهو يقف على مسافة منعزلة عنها؟ إن الموضوعية في العلوم الاجتماعية بحكم طبيعة موضوعها تظل مفهومًا نسبيًا بالضرورة. ويُشبه اشتراط الاغتراب عن الظاهرة بدعوى الحياد محاولة طبيب تشخيص حالة مرضية معقدة عن بُعد، دون تواصل واقعي وملموس مع المريض؛ وهو ما يؤدي حتمًا إلى فجوات معرفية وتشخيصية مضلِّلة، ويعوق تقديم الروشتة العلاجية المناسبة.
بناءً على ذلك، فإن الحياد العلمي لا يعني الانفصال الوجودي عن الظاهرة، أو مراقبتها ببرود، وافتقاد الاهتمام، والتركيز السلبي بحجة النزاهة. ومن هنا تبرز ضرورة المعايشة المعرفية والوجدانية بوصفها شرطًا إبستمولوجيًا لا غنى عنه؛ فالباحث الفاعل هو من ينخرط في عمق الظاهرة ليفهم سياقاتها الداخلية، مع التزامه بالأمانة المنهجية في عرض المعلومات والبيانات وتفسيرها. وبهذا تتحول الموضوعية من عزل بارد للباحث إلى انخراط واعٍ ومسؤول يقود إلى تشخيص اجتماعي أكثر دقة.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية الدراسات السابقة بوصفها رصيدًا معرفيًا وتاريخيًا للإشكالية؛ إذ تكشف عن المحاولات السابقة لتفسيرها وعن الحلول المقترحة لها. وتمنح هذه الأدبيات الباحث عمقًا معرفيًا يساعده على تحديد مدى جدوى إعادة طرح القضية في سياقات جديدة ومتنوعة.
ومن خلال هذه المراجعة، يصل الباحث إلى مرحلة التشبع المعرفي حيث يمتلئ الكأس بالمعلومات حتى يصل إلى حدّ الإفاضة لتبدأ بعدها مرحلة التجلي الفكري. في هذه المرحلة ينتقل الباحث إلى أفق رؤية أوسع، يُمكّنه من رصد علاقات وفجوات وتناقضات ومفارقات قد لا يلتقطها غيره.
وهنا يمكن للباحث أن يضع إجابةً للتساؤل: متى يتوقف عن القراءة ويبدأ في الكتابة؟ إن الباحث يقرأ حتى يبلغ حد التشبع المعرفي حيث يمتلئ الكوب بالمعلومات حتى يفيض، وعند لحظة الفيضان يحدث التجلي؛ فيرى من خلاله العلاقات المخفية ويستوعب خيوط الإشكالية على نحو أعمق.
وبناء على هذا التجلي، يشرع الباحث في هندسة الهيكل التنظيمي للبحث؛ فيصيغ الإشكالية بوضوح في المقدمة، ثم يبلور السؤال الرئيسي والتساؤلات الفرعية المنبثقة عنها. تلي ذلك صياغة أهداف البحث للتركيز على مسارات محددة في تفاصيل الظاهرة، ثم تحديد أهمية الدراسة بوصفها مظلة للحماية العلمية أو التبرير المنهجي؛ أي توضيح المكتسبات التي يسعى الباحث إلى تحقيقها، وكيف يمكن توظيفها.
وأخيرًا، يأتي تقسيم البحث إلى مباحث او فصول أشبه ببناء قصة متماسكة، تبدأ بالتعريف بالخلفيات الأساسية، والجهد المفاهيمي، ثم التأطير النظري، لتتوالى بعدها الأجزاء والمباحث وفق تسلسل منطقي وسردي مرن. ويهدف هذا الترتيب إلى تفادي القفزات الفجائية أو الفجوات المعرفية، وصولًا إلى الخاتمة والاستنتاجات العلمية.
ثم تمثّل الاستنتاجات البحثية الحوصلة النهائية للعلاقات والمتغيرات التي خضعت للدراسة؛ حيث تتحول في هذه المرحلة إلى معطيات مرئية وقابلة للرصد الدقيق. وهي مرحلة علمية بامتياز يمكن تسميتها مرحلة الكشف عن المسكوت عنه داخل بنية تلك العلاقات؛ فقد يخلص الباحث من خلالها إلى نحت مفهوم جديد يفسر الظاهرة، أو يتبدى له متغير محوري لم يكن مرئيًا أو واضحًا في مراحل البحث والتقصي الأولى، لكنه برز وتبلور بفضل التحليلات العميقة وتقاطع البيانات.
في حين ينظر في البحوث والدراسات التقليدية إلى الاستنتاجات على أنها مجرد تلخيص لما سبق. لكن الصحيح أن الاستنتاجات تمثل مرحلة توليدية تفضي إلى إنتاج متغيرات ومفاهيم جديدة؛ فهي مرحلة الكشف عن المسكوت عنه. بمعنى أن البحث لا ينتهي عند حدِّ الإجابة عن الأسئلة، بل يتجاوزها إلى اكتشاف ما كان مخفيًا تحت السطح ولم تره العين في بداية البحث.
وفي هذا السياق، يتطابق دور الباحث السوسيولوجي مع دور الطبيب. فالطبيب لا يقدّم تشخيصًا نهائيًا وقاطعًا في اللقاء الأول مع المريض؛ بل يبدأ بفرضية مبدئية يرجئ إعلانها إلى حين استيثاقها عبر سلسلة من التحاليل المخبرية والصور الطبية التي تُجلّي له الحقيقة المتشابكة والمعقّدة.
وبالمثل، لا يطلق الباحث أحكامًا مسبقة أيديولوجية أوعاطفية؛ وإنما ينطلق من فرضيات مبدئية يفحصها بصبر عبر التحليل الميداني إلى أن تتبلور الحقيقة بصورة أدق. وبعد ذلك تأتي الخاتمة لتشكل الروشتة العلاجية أي التوصيات الإجرائية والعملية التي يضعها الباحث بوصفها حلولًا تساعد على جعل الإشكالية واضحة ومفهومة، وقابلة للتفكيك والمعالجة.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |