«الفأرُ الذي ابتلعَ دولةً: مذكّراتُ قارضٍ في وزارة المالية»

حامد الضبياني
2026 / 6 / 9

في بلادٍ أنهكها الفقرُ حتى صار المواطنُ يحسبُ عددَ أرغفة الخبز كما يحسبُ الفلكيُّ عددَ النجوم، خرجت علينا فلسفةٌ سياسيةٌ جديدةٌ تستحق أن تُدرَّس في جامعات العالم لا في كليات الاقتصاد وحدها، بل في معاهد البيطرة أيضاً، لأن الفاعلَ الاقتصاديَّ الجديد لم يعد الإنسانَ ولا الدولةَ ولا الشركاتِ العابرةَ للقارات، وإنما الفأرُ العراقيُّ العبقريُّ الذي استطاع أن يحقق ما عجزت عنه أكبرُ العصابات المالية في التاريخ.لقد كنا نظنُّ أن الفأرَ مخلوقٌ بسيطٌ يبحث عن قطعة جبنٍ يابسةٍ خلف خزانةٍ مهترئة، فإذا بنا نكتشف أنه خبيرٌ استراتيجيٌّ في إدارة الثروات الوطنية، ومحللٌ ماليٌّ يمتلك من المهارات ما يجعله قادراً على التهام مئات التريليونات ثم الاختفاء دون أن يترك خلفه سوى ذيلٍ قصيرٍ وبعض آثار الأسنان على دفاتر الحسابات.أيُّ ظلمٍ تاريخيٍّ تعرضت له الفئران! لقد اتهمناها لعقودٍ بأنها تقرض الأكياسَ وتسرق الحبوب، بينما كانت في الحقيقة تديرُ اقتصاداتٍ كاملةً من وراء الجدران. ولو أن علماء الاقتصاد الكلاسيكيين عرفوا هذه الحقيقة لأعادوا كتابة نظرياتهم من جديد. آدم سميث كان سيتحدث عن «اليد الخفية»، أما نحن فقد اكتشفنا «القواطع الخفية» التي لا تنظف الخشب فقط، بل تنظف الخزائن أيضاً.تخيلوا المشهد العظيم: خزائنُ الدولة ممتلئة، والأرقامُ تتراقص فوق الشاشات، ثم تدخل فرقةٌ من الفئران الوطنية المسلحة بالإرادة والعزيمة، فتلتهم مئتي تريليون كما يلتهم طفلٌ قطعةَ حلوى، ثم تنسحب بهدوءٍ وانضباطٍ عسكريٍّ دون أن يلاحظها أحد. أيُّ انضباطٍ هذا؟ أيُّ تدريبٍ خارقٍ تلقتْه هذه القوارض؟ وأين كانت أجهزةُ الأمن وهي تراقب الحدود إذا كانت الفئران تعبرُ بين التريليونات كما يعبر السائحُ في نزهةٍ ربيعية؟.. ولأن المصائب في بلادنا لا تأتي فرادى، فإن بعض الأموال – كما يُقال – لم تأكلها الفئران أصلاً، بل اختفت وحدها. نعم، اختفت. يبدو أن النقودَ العراقية بلغت مرحلةً متقدمةً من الوعي الفلسفي، فقررت أن تمارس حريتها الشخصية وترحل. ربما سئمت من الجلوس في الخزائن وقررت السفرَ إلى جزرٍ بعيدةٍ بحثاً عن حياةٍ أفضل. وربما شعرت بالاختناق من كثرة الوعود والخطب، فهاجرت مثل ملايين البشر الذين سبقوها.يا لها من مأساةٍ وجودية! حتى الأموالُ نفسها لم تعد تحتمل العيش بيننا.إن الفلسفة السياسية الحديثة كانت تسأل: من يحكم العالم؟ أما فلسفتنا العراقية فتسأل: من أكل العالم؟ فإذا كانت الفئران قادرةً على ابتلاع التريليونات، فربما تكون هي التي تكتب الموازنات أيضاً، وربما هي التي تعين المسؤولين، وربما هي التي تظهر في المؤتمرات الصحفية مرتديةً ربطاتِ عنقٍ أنيقةً ثم تعود ليلاً إلى جحورها محملةً بأكياس النقد.والأغرب من كل ذلك أن المواطن المسكين يجلس أمام هذا المسرح العبثي كمتفرجٍ في سيركٍ كونيٍّ لا يعرف هل يضحك أم يبكي. فهو يسمع الأرقام التي تكفي لبناء مدنٍ جديدة، ثم يسمع الحكاية التي تصلح لفيلم رسومٍ متحركة، فيجد نفسه أمام معادلةٍ عجيبة: كلما كبرت الأرقامُ صغرت التفسيرات، وكلما تضخمت المأساةُ ازداد حجم النكتة.وهكذا تستمر الحياة في جمهوريتنا الفريدة؛ المواطنُ يبحث عن راتبٍ يكفيه لأيامٍ معدودة، والفأرُ – وفق الأسطورة الجديدة – يبحث عن تريليونٍ إضافيٍّ يكمل به وجبته المسائية. وبين الجوعين يبقى السؤال معلقاً فوق رؤوس الجميع: إذا كانت الفئران قد بلغت هذه الدرجة من العبقرية الاقتصادية، فلماذا لا نسلمها إدارة البلاد رسمياً؟ على الأقل سنعرف عندها أين ذهبت الأموال، لأنها ستعترف بكل بساطة: نعم، أكلناها... وكانت لذيذة!

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن