«تأملاتُ لصٍّ أمام الكعبة»

حامد الضبياني
2026 / 6 / 9

في بلادٍ صار فيها الفسادُ أكبرَ من الخرائط، وأثقلَ من الجبال، وأكثرَ حضورًا من الكهرباء والماء والعدالة، ظهر نوعٌ جديدٌ من الزهّاد، لا يعرفه التاريخ ولا تعترف به كتبُ الفقه القديمة، زُهّادٌ يمدّون أيديهم إلى خزائن الناس طوال العام، ثم يرفعونها إلى السماء أيّام الحج وكأنهم لم يمدّوها أصلًا، وكأن المال الذي التصق بأصابعهم صار فجأةً مالًا طاهرًا بمجرد أن ارتدى صاحبه ثوبين أبيضين وردّد التلبية بين الحشود.إنها فلسفة عجيبة حقًا؛ فلسفة تقول إنك تستطيع أن تبتلع وطنًا كاملًا ثم تشرب فوقه كأسًا من ماء زمزم فيختفي الوطن من معدتك ويختفي الذنب من صحيفتك. وكأن الكعبة المشرفة تحوّلت في خيال البعض إلى مغسلةٍ عملاقة للضمائر المتسخة، يدخلها المرء محمّلًا بأوزار الناس وحقوقهم ودموعهم وآهاتهم، ثم يخرج منها وهو يتوقع أن الملائكة قد مزّقت الفواتير وأغلقت الملفات وأحرقت سجلات الحساب.
لكن السؤال الذي يطارد هؤلاء أينما ذهبوا ليس سؤال البشر بل سؤال العدالة نفسها: من قال لكم إن الله يُخدع بالمظاهر؟ ومن أوهمكم أن الطريق إلى السماء يمرّ فوق ظهور المظلومين؟ ومن أقنعكم أن المال المسروق إذا طاف سبعًا صار حلالًا بعد أن كان حرامًا؟.. إن النبي الكريم، عليه الصلاة والسلام، لم يترك بابًا للتأويل حين قال إن ابنته نفسها لو سرقت لأقام عليها الحد، لأن العدالة في جوهرها لا تعرف القرابة ولا المنصب ولا العمامة ولا ربطة العنق. العدالة لا تسأل عن اسمك بل عن فعلك، ولا تنظر إلى عدد مرات الحج بل إلى عدد القلوب التي كسرتها والأفواه التي جاعَت بسببك والحقوق التي ضاعت تحت توقيعك... ما أغرب هذا المشهد؛ رجلٌ يسرق قوت الأرامل ثم يوزع الابتسامات أمام الكاميرات وهو يلوّح بمسبحته، وآخر ينهب مشاريع الفقراء ثم يلتقط صورة بجوار الكعبة وكأنه اكتشف للتو طريق القداسة، وثالث يترك خلفه مدنًا منهكة ومدارس مهدّمة ومستشفيات متعبة ثم يعود بلقب "الحاج" منتظرًا من الناس أن ينسوا كل شيء لأن الصورة الجديدة أقوى من الذاكرة القديمة.إن بعضهم يتعامل مع الدين كما يتعامل الأطفال مع الممحاة، يكتب الخطيئة طول العام ثم يظن أن رحلةً واحدةً كافية لمسح كل السطور، ناسياً أن حقوق العباد ليست بقعة حبر على ورقة، بل أرواحٌ ودموعٌ وأعمار. وما أُخذ من الناس لا يُعاد بالدعاء وحده، بل بردّ المظالم والاعتراف بالخطأ وإعادة الحقوق إلى أصحابها.ولعل أكثر ما يثير السخرية أن اللص لا يخاف من السرقة بقدر ما يخاف من الفضيحة، ولا يخشى الحساب بقدر ما يخشى الكاميرا، فإذا وقف أمام بيت الله ارتجف من الصورة أكثر مما ارتجف من الذنب، واهتم بلقب "الحاج" أكثر من اهتمامه بلقب "الأمين". وهكذا تتحول العبادة عند بعضهم من رحلة تطهير للنفس إلى حملة علاقات عامة لتحسين السمعة.
الكعبة لم تُبنَ لتكون ملجأً للفاسدين من العدالة الأخلاقية، ولم تُشرّع العبادات لتكون جسورًا للهرب من المسؤولية، ولم ينزل الدين ليمنح اللصوص شهادات غفران مجانية. فالله الذي أمر بالحج هو نفسه الذي أمر بالعدل، والذي دعا إلى التوبة هو نفسه الذي حرّم أكل أموال الناس بالباطل، والذي فتح باب الرحمة فتح معه باب الحساب أيضًا.ولهذا فإن المأساة ليست في أن يذهب المذنب إلى الحج، فكل إنسان محتاج إلى التوبة، بل المأساة أن يذهب وهو مصرّ على ذنبه، محتفظًا بالغنيمة، متشبثًا بالمال الحرام، معتقدًا أن الطريق إلى الجنة يمكن أن يُعبَّد بأموال الفقراء. تلك ليست توبة، بل محاولة لتزيين الخطيئة بثوب أبيض.وفي النهاية تبقى الحقيقة ساخرةً وقاسيةً في آنٍ واحد: إن الله لا يحتاج إلى رؤية جواز السفر المختوم بالحج، بل إلى رؤية قلبٍ نظيف ويدٍ نظيفة وذمةٍ نظيفة. أما من سرق الناس ثم ظن أن الطواف حول الكعبة يمحو حقوقهم، فهو يشبه رجلاً سرق بنكًا كاملًا ثم ذهب إلى محل العطور ليقنع نفسه أن الرائحة الجميلة أقوى من الجريمة.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن