|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

عبدالله عطوي الطوالبة
2026 / 6 / 8
انتقلت البوذية إلى الصين من الهند، وأعلِن ذلك رسميًّا عام 166ميلادية، حيث أقام الامبراطور هوان من أسرة هان(206ق.م- 220م) في ذلك العام مراسم تاوية وبوذية في القصر الامبراطوري.
وقد نشأت البوذية في شمال الهند على يد شخص اسمه "سيدهارتا غوتاما"، الذي عُرِف لاحقًا باسم بوذا. عاش سيدهارتا غوتاما حياة مترفة، لكنه ما ان كبُر ونضح حتى لفته وصار مركز اهتمامه ظواهر أربع، هي الهَرَم، والمرض، والموت، والنَّسك. على هذا الأساس، ربط معاناة البشر بوجودهم، وراح يتساءل عن ولادة البشر وكيفية وجود الانسان، وتعامله مع نظام الثواب والعقاب(الكارما).
لم يلبث سيدهارتا غوتاما أن ترك حياة الترف، وانطلق يبحث عما تبلور في ذهنه باسم الحقيقة المطلقة. انضم إلى النّسّاك وشاركهم التأمل وحياة العزلة والزهد والتقشف. استمر ست سنوات على هذه الحال لم يحقق خلالها ما نذر نفسه له، لذا، قرر الاستغراق في التأمل. وبه أدرك بغيته، فبلغ ما يُعرف في البوذية مرحلة التنوير وصار اسمه بوذا.
عاد إلى النسّاك والرهبان، الذين كان قد فارقهم وأعلن وصوله إلى الحقيقة المطلقة. وألقى فيهم خُطبته الأولى، المتضمنة أهم تعاليم البوذية، أو ما تُعرف بالحقائق الأربع النبيلة. أول هذه الحقائق، الاقرار بأن الألم موجود، ويتسبب عن الولادة والمرض ومتاعب الحياة والموت. الحقيقة الثانية بمنظور بوذا، الميلاد الجديد يُديم الحياة، والرغبة والاشتياق يسببان هذا الميلاد. والثالثة، قابلية الألم للزوال بترك الشهوة وعدم التعلق بالأشياء. وتشير الحقيقة الرابعة إلى ايقاف شرور الحياة بالشُّعَبِ الثماني، وهي "الفهم السليم، والفكر السليم، والكلام السليم، والسلوك البدني السليم، والمعيشة السليمة، والجهد الأخلاقي السليم، والانتباه السليم، والتركيز السليم".
تشترك البوذية مع التاوية بأنها ديانة خلاص. أسمى أهداف البوذية، الوصول إلى النيرفانا وسنعود للحديث عنها لاحقًا.
لم تؤسَّس البوذية عقائديًّا، حيث جعلها بوذا سبيلًا للمعرفة والحِكمة. وتخلو تعاليم بوذا مما يشير إلى اعترافه بإله أو انكاره له، فالانسان محط اهتمامه ومحور دعوته.
خلاص الانسان في الحياة يتوقف عليه، وليس على الإله. من هنا تميل بعض الدراسات إلى تصنيف البوذية حركة اصلاحية للهندوسية، لجهة مكافحة نظام الطبقات وكثرة الآلهة فيها ونزوعها نحو السيطرة. على هذا الأساس، يُفهم انتشار البوذية في الأوساط الفقيرة والمهمشة في الهند والدول التي انتشرت فيها.
الوجود الدنيوي جوهر مفهوم "سامسارا"، ويعني الحركة المستمرة وطريقتنا في تفسير الحياة. تقوم سامسارا على خصائص ثلاث وصف بها بوذا الظواهر الدنيوية، وهي المعاناة وعدم الثبات واللذات. على هذا الأساس، البشر يعانون لأنهم يتخيلون الوهم حقيقة، والمؤقت دائمًا. سامسارا متغيرة وليست مُطلقة، أي أنها نسبية. وهي عالم ذاتي يخلقه كل انسان لنفسه، فيه الفرح والألم والخير والشر.
السببية مفتاح تحقيق تعاليم بوذا، إذ أن معرفة سبب الشيء كفيل بمنعه من الظهور مرة ثانية. أما العودة إلى البداية، فهي نهج بوذا في البحث عن أصل المعاناة.
ومثل سائر الديانات، تاثرت البوذية بحركة الحياة ونواميسها في التحول والتغيير والتجديد. وقد تجسد ذلك بظهور المذاهب ومنها "تيرافادا"، أي المحافظ أو الأصولي. أتباع هذا المذهب يحافظون على تعاليم بوذا الأصلية، لكنهم في موازاة ذلك يرفضون تأليهه. فهو بنظرهم انسان وليس إلهًا. وظهرت في البوذية أيضًا حركة "ماهايانا"، وهي تؤله بوذا بادعاء أنه إله تجسَّدَ في هيئة بشر. وتعتمد هذه الحركة مبدأ "الحياة لخير الآخرين"، بمعنى العمل على انقاذ الآخرين وقيادتهم إلى النيرفانا.
بعد انتشار البوذية في الصين، أكسبها الصينيون لون ثقافتهم، فأعادوا صياغتها بما يتناسب مع موروثهم الفكري وثقافتهم.
فقد ظهرت هناك فِرق بوذية صينية خالصة، منها مدرسة "تشن". يرى أتباع هذه المدرسة أن الخلاص مرتبط بالاستنارة الداخلية، التي تأتي في لحظة خاطفة كما حصل لبوذا، ويمكن بلوغها فجأة. ورفضت مدرسة تشن ما يُدرج في إطار تراث البوذية، ومنه الكتابات المقدسة وآمنت بالفكر الغيبي على حساب النظري.
المدرسة الثانية، كانت "الأرض الطاهرة"، وهي أكثر مظاهر البوذية شعبية بإيمانها البسيط وابتهالاتها السهلة. وتركز على الايمان سبيلًا للخلاص بدل التأمل والدراسات الفلسفية. بحسبها أيضًا، الاستنارة بجهد فردي لا تكفي، فلا بد من الاعتماد على "بوذا أميتابها"، أي بوذا النور اللامتناهي، القادر على انقاذ المؤمنين.
أما الغاية النهائية بمنظورها، فهي ولادة المؤمن بعد الموت في الأرض الطاهرة الخالية من المعاناة، وفيها يمكن الوصول إلى النيرفانا بسرعة. ومن طقوسها وممارساتها ترديد اسم بوذا بتركيز واخلاص، لاعتقاد أتباعها أن تكرار ذلك يطهر الذهن ويضمن الولادة في الأرض الطاهرة.
ونشير أيضًا إلى مدرستي "تيان تاي"، و "شِن- يِن". الأولى، ترى أن الخلاض مضمون بالتوازن الدقيق بين التأمل والتركيز وقراءة الكتب المقدسة، بالاضافة إلى الأخلاق والطقوس. أما الثانية، فترى أن الخلاص يبدأ بدخول المؤمن في حلقة معلم والاذعان التام له، وعنه يأخذ الحقيقة والأسرار. فالخلاص يعني امتلاك هذه الأسرار، وهي تُلتمس باستخدام الرُّقى، وتأدية ايحاءات وحركات صامتة.
وفي الصين، اكتسب بوذا وبوذا ستافا (بوذا المُنتظر) أسماء صينية خالصة وظهرا في رسومات الأيقونات وصورها. بوذا التاريخي حمل اسم "شيه- شيا- فو"، ويظهر جالسًا بحالة تأمل في زهرة اللوتس. وحمل بوذا ستافا اسم "كوان- يِن.
ذكرنا فيما سبق أن النيرفانا هدف البوذية الأسمى، فما النيرفانا وكيف السبيل لبلوغها؟
تتحقق النيرفانا بتنقية الفرد نفسه من الرغبات المادية والشهوات، ومن كل ما يسبب له المعاناة والألم ويصرفه عن عمل الخير ويجعل الحياة دنيئة. وبذلك، يرتقي الشخص إلى أعلى درجات الصفاء الروحاني. هكذا يبلغ الانسان النيرفانا في حياته، وبالموت تتحقق النيرفانا بعدم العودة إلى الحياة.
أخيرًا، تجدر الاشارة إلى أن البوذية الديانة الرابعة في عالم اليوم. وتنتشر في موطنها الهند، وفي الصين، وكل من اليابان وماليزيا واندونيسيا وكوريا وتايوان وسنغافورة وبوتان وكمبوديا ومنغوليا ولاوس وسيريلانكا وبورما ونيبال وتايلند.(يتبع).
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |