الحمار الذي عاد إلى البرلمان .

حامد الضبياني
2026 / 6 / 7

في بلادٍ يبدو فيها الزمنُ كأنه يدور في طاحونةٍ عمياء، لا يتقدّم خطوةً إلا ليعود خطوتين إلى الوراء، تذكّرتُ حكاية جحا وحماره، لا لأنها طرفةٌ تُروى في المجالس للتسلية، بل لأنها تكاد تكون وثيقةً سياسيةً تصلح لشرح بعض ما يجري في أوطانٍ اعتادت أن تضع يدها في النار ثم تسأل بدهشةٍ عن سبب الاحتراق.خرج جحا إلى السوق يبحث عن حمار، وخرج المواطن إلى صندوق الاقتراع يبحث عن وطن. كلاهما كان يظن أنه يعرف ما يريد، وكلاهما عاد وهو يجرّ وراءه وهماً أكبر من الذي خرج به. اللص في الحكاية لم يسرق الحمار فقط، بل سرق قدرة الضحية على الشك، وسرق منه نعمة السؤال، وسرق منه أبسط أدوات العقل حين جعل الكذبة أكبر من أن تُصدّق فصدّقها جحا، لأن الإنسان أحياناً لا يقتنع بالحقيقة بقدر ما يتعلق بالوهم الذي يريحه من عناء التفكير.وفي كل موسم انتخابي يعود المشهد نفسه وكأن البلاد قد تحولت إلى مسرحٍ كبير يُعاد فيه العرض ذاته منذ عشرين عاماً والجمهور نفسه يصفق في المشهد نفسه ويضحك في الموضع نفسه ويبكي في الموضع نفسه ثم يخرج مقتنعاً بأنه شاهد مسرحية جديدة. النائب الذي دخل البرلمان فقيراً يخرج منه ثرياً، والذي وعد بالإصلاح يعود محاطاً بالحراس والقصور والعقود والمكاتب، والذي أقسم أن يحارب الفساد يختفي اسمه بين ملفات الفساد حتى يصبح من الصعب التفريق بين الشرطي واللص، وبين الطبيب والمرض، وبين الحارس والسارق.والمفارقة ليست في وجود اللصوص، فالتاريخ البشري لم يعرف زمناً خالياً منهم، وإنما في قدرة بعض الشعوب على إعادة اكتشاف اللص نفسه في كل دورة انتخابية ثم منحه مفاتيح الخزينة مرة أخرى. كأن المواطن يقف أمام صندوق الاقتراع مثل جحا أمام حماره المسروق، فيرى العلامات كلها، ويرى آثار النهب كلها، ويرى الطرق المحطمة، والمدارس المتهالكة، والمستشفيات التي تتنفس بالأجهزة، والشباب الذين يهاجرون بحثاً عن فرصة حياة، ثم يقترب من الورقة الانتخابية ويهمس للنائب ذاته: يبدو أنك لم تتعلم الدرس بعد، تفضل هذه المرة أيضاً.لقد تحولت السياسة في بعض الأحيان إلى علمٍ غريب لا يقوم على الإنجاز بل على قوة الذاكرة القصيرة، فكلما ازداد الفشل اتسعت الخطابات، وكلما اتسعت الهوة بين الحاكم والمحكوم ازدادت اللافتات الملونة، وكلما تراكمت الأزمات ارتفعت صور المنقذين الذين لم ينقذوا أحداً. وهكذا يصبح الخراب نفسه مادةً انتخابية، وتتحول المصيبة إلى برنامج عمل، ويصبح سبب الأزمة هو نفسه المرشح لعلاجها.أما النائب فيقف مثل ذلك اللص البارع الذي اكتشف أن أعظم السرقات ليست التي تُرتكب في الظلام، بل تلك التي تُرتكب أمام الناس ثم تُقابل بالتصفيق. فهو لا يحتاج إلى إخفاء الحمار، ولا إلى تغيير الحبل، ولا إلى الهرب بعيداً، يكفيه أن يروي قصةً مناسبة وأن يجد من يريد تصديقها. مرةً تكون المؤامرة، ومرةً تكون الظروف، ومرةً تكون الحكومات السابقة، ومرةً يكون الطقس، ومرةً يكون التاريخ كله مسؤولاً إلا المسؤول الحقيقي.
ولعل أكثر ما يثير التأمل أن المواطن يغضب طوال أربع سنوات، يشكو من البطالة وغلاء الأسعار وسوء الخدمات وانقطاع الكهرباء وازدحام المؤسسات، ثم يأتي يوم الاقتراع فيتعامل مع ذاكرته كما يتعامل المسافر مع حقيبة ثقيلة فيتركها عند باب المركز الانتخابي ويدخل خفيفاً من كل التجارب السابقة. عندها يبتسم السياسي العجوز مطمئناً، فالمشكلة لم تعد في سوء الإدارة بل في قدرة الوعود على هزيمة الذاكرة.
وهكذا تستمر الحكاية؛ جحا يشتري الحمار، واللص يسرق الحمار، وجحا يصدق الحكاية، ثم يعود إلى السوق ليجد الحمار نفسه في المكان نفسه. الفرق الوحيد أن الحمار في قصتنا الحديثة لا يقف في سوق الحيوانات، بل يقف على لافتة انتخابية ضخمة، يبتسم للكاميرات، ويعد الناس بمستقبلٍ مشرق، بينما يقف كثيرون أمامه وقد سمعوا القصة كلها من قبل، ثم يقررون أن يمنحوه فرصةً جديدة، وكأن المأساة ليست في أن الحمار عاد إلى السوق، بل في أن السوق كله ما زال يصرّ على أنه لم يره من قبل.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن