|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
يحيى الشيخ
2026 / 6 / 7
بعد مئة وأربعة أعوام من التفكير والعمل الدؤوب والمضني، لم يستطع الفيلسوف "إدغار موران" إيقاظ كل الناس في العالم كما خطط له، وقد وافته المنية قبل أن يحقق حلمه فوق الأرض؛ فذهب إلى باطنها ليوقظ الموتى... شيّعه الناس كما يليق بفيلسوف فذ وعادوا إلى بيوتهم.
في الصباح، شُوهدت جحافل النمل الفارسي تخرج من خنادقها في كل مكان، تزحف بنشاط وصمت وتتسلق الأشياء، وتتراصف على سطوحها كأنها تنسج غلالة وتغطيها. وفي لحظات، تغطت المساحات كلها وتحولت إلى نسيج من أجساد النمل الصقيلة البراقة.
صُبغ العالم كله بلون واحد؛ طبقة رقيقة من أجساد النمل، لون أسود ذو سطح متموج يشبه بحراً تشاغبه ريح خفيفة تنقش على وجهه انفاسها. غلّف النمل الأشجار وأوراقها وثمارها وبراعمها، وزحف على البيوت وغلّف النوافذ، وتسلّق أجساد الناس فغلّفهم دون أن يعوق حركتهم؛ أضحوا كتلاً منحوتة من نمل، أجساداً نمليّة تتحرك وتمارس حياتها؛ تجلس في المقاهي وتحتسي بكؤوس مغلفة بالنمل... وفي البيوت المغلفة بالنمل، خلف نوافذ مستورة بالنمل، لا بد أنهم يضاجعون نساء مغلفات بالنمل أيضاً.
الوجود كله غدا نملاً فارسياً. وتحسباً للمجهول وما ينوي عليه هذا الزحف، وما لا أستطيع تخمينه، أغلقت كل منفذ في البيت؛ منافذ التهوية، وفضّلت الاعتماد على مكيف الهواء، وأغلقت فتحات مجاري الصرف في الحمام، ومنفذ مدخنة الموقد، واضطررت لسعة فوهتها أن أسدّها بالطوب والإسمنت... ولم أهدأ حتى تأكدتُ من انقطاع صلة الهواء بالخارج تماماً، ثم وقفت خلف النافذة أنتظر وصول الجحافل.
مثل ليل يزحف، بدأت الأشياء تتضبب ثم تزداد سواداً وتتغطى كلياً. العالم مستسلم لقدره في الانسجام الكلي، ذائب في كتلة واحدة بلا فوارق... أليست هذه أطروحة "إدغار موران" التي قاتل ببسالة من أجلها مئة وأربع سنوات! وها هم الموتى الذين أيقظهم يعودون إلينا بهيئة نمل فارسي مفعم بالحياة، وحب العودة إلى دياره فوق الأرض.
بيني وبين البيوت القريبة مزارع ومساحات خضراء خالية، وجداول ضيقة الصدر تُرضع البحر، وأشجار مبعثرة؛ خلالها شاهدتهم يزحفون ويتسلقون الأكواخ الزراعية وحظائر الأبقار، يغلفون الحقول، وعبروا الجداول بمهارة عالية؛ إذ تمسك النملة بذنب الأخرى ليشكلوا جسراً لعبور الآخرين، وهكذا تماسكوا وغطوا الجداول كما يفعل الجليد في أيام الشتاء القارص. وصلوا سياج الحديقة وتسلقوه، وبانتظام شديد فرشوا أنفسهم فوق العشب والأزهار والممرات وتسلّقوا الحائط... ظهرت طلائعهم أسفل النافذة، ثم في لحظة اختفى الخارج، ولم أعد أرى غير بطون النمل وقد هدأت تماماً.
كان هذا آخر ما رأته عيناي، ولم يبقَ لي غير أن أكتب ما يمكنني كتابته قبل أن أبلغ نهايتي، أما العالم فلم أعد أعرف عنه شيئاً. ولا بد قبل كل شيء من الاعتراف بأن "إدغار موران" الذي اخفق في تحقيق فلسفته فوق الأرض، قد حققها تحت الأرض وأيقظ الموتى الأزليين، وعلّمهم كيف يربطون عناصر الكون مع بعضها، وها هم ينسجونها بلا كلل ودقة متناهية، وينسجوننا معها، ولن يتوقفوا عن ذلك حتى يعود الكون إلى سديمه الأول، والزمان إلى نقطة الصفر.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |