حروب العقيدة: في هل تقود النبوءات المقدسة حروب العالم الذكي؟:

احمد كانون
2026 / 6 / 7

نعيش اليوم في ذروة العصر الرقمي، حيث تُدار الاقتصادات بخوارزميات الذكاء الاصطناعي وتُحسم المعارك بالمسيرات والبيانات الضخمة. في هذا العالم المفرط في العقلانية التقنية، يبدو من المفارقات الصارخة أن نرى صراعات القوى العظمى تتشح برداء الدين وتستدعي نبوءات مقدسة. هل من المعقول أن تُبنى هذه الصراعات الجيوسياسية المعقدة على نصوص قديمة؟ وهل حكام اليوم حقاً مؤدلجون تحركهم العقيدة، أم مهندسو أنظمة تحركهم المصالح؟.
المحرك الخفي للصراع: لفهم هذه الديناميكية، يجب تفكيك المشهد عبر عدسة الوكالة الميكيافيلية التطورية [السلوك النفعي القائم على غريزة البقاء والهيمنة]. النخب الحاكمة في العالم الذكي لا تخوض حروباً مكلفة ومفتوحة من أجل إثبات صحة نص ديني بحت، بل تستخدم هذا النص كأداة لا غنى عنها في السياسة الحيوية [استخدام السلطة للتحكم في حياة الشعوب وتوجيه سلوكها].
في أوقات التهديد والصراع على الموارد، تحتاج الجماعات البشرية إلى سردية كبرى تضمن تماسكها المطلق واستعدادها للتضحية. الدين يوفر هذه السردية بكفاءة لا تضاهيها أي أيديولوجيا وضعية، لأنه يربط الصراع الدنيوي بغاية متسامية.
قناع المرحلة وتصادم الأضداد: نحن نشهد اليوم تجليات مرحلة ما بعد ما بعد الحداثة [المرحلة الفكرية التي تدمج بين السخرية والعودة للإيمان بالسرديات المطلقة]. القادة الذين يمتلكون أزرار الحرب السيبرانية [الهجمات الإلكترونية والاختراقات الرقمية] هم أنفسهم من يقفون أمام الجماهير لاقتباس نصوص مقدسة. هذا ليس تناقضاً أو أيديولوجيا عمياء، بل هو توظيف براغماتي لـ النظام الضمني [البنية الخفية وغير المرئية للأحداث].
السردية الدينية في صراع الدول تمثل "الأطروحة" في الديالكتيك الهيغلي [الجدل التاريخي وتصادم الأضداد]، والتي يتم توجيهها لتصطدم بقوة معارضة تمثل "النقيض"، والهدف النهائي ليس نصرة العقيدة في حد ذاتها، بل تبرير التكلفة البشرية والمادية لإعادة تشكيل مناطق النفوذ والوصول إلى "المركب الجديد" (توازن قوى يخدم مصالح النخبة).
حروب حديثة بغلاف ديني: استقراء التاريخ القريب يثبت أن محركات نظرية الفوضى [تفسير الأنظمة المعقدة ذات السلوك غير المتوقع] تتخفى دائماً خلف شعارات مقدسة لتمرير أجندات السيطرة على الثروات والممرات الاستراتيجية.
الحرب الأهلية اللبنانية:
1975 - 1990
صراع إقليمي ودولي على النفوذ في الشرق الأوسط، اتخذ شكل حرب طائفية دموية بين فصائل مسيحية، درزية، سنية، وشيعية. الدين كان خط التماس التعبوي، لكن المحرك الفعلي كان إعادة رسم خريطة السيطرة الجيوسياسية.
الحرب العراقية الإيرانية:
1980 - 1988
تم تغليفها إعلامياً وشعبياً كصراع مقدس بين ثورة "إسلامية" ذات طابع شيعي وقومية ذات طابع سني. بينما كان الجوهر الحقيقي للصراع يدور حول الهيمنة الإقليمية على الخليج، السيطرة على حقول النفط، وتأمين الحدود الاستراتيجية وممر شط العرب.
حروب البلقان:
1991 - 2001
شهدت أوروبا مذابح عرقية تم تبريرها وحشد الجماهير لها بسرديات دينية وتاريخية (أرثوذكس، كاثوليك، ومسلمين). لكنها في الأساس كانت حرباً شرسة على ترسيم الحدود القومية والموارد الحيوية إثر الفراغ الذي خلفه انهيار الاتحاد السوفيتي.
الحرب على الإرهاب:
2001 - وما بعدها
استُخدمت فيها مصطلحات دينية صريحة من كلا الطرفين لتأجيج الجماهير (خطابات "الحملات الصليبية" في الغرب مقابل "الجهاد المقدس" في الشرق). ورغم هذا الغلاف العقائدي الراديكالي، كان النظام الضمني للحرب يهدف إلى هيكلة النظام العالمي الجديد، اختراق مناطق النفوذ، وتأمين مصادر الطاقة.
رقعة شطرنج السيد: في النهاية، الصراعات الكبرى ليست دينية في جوهرها، بل هي صراعات بقاء، نفوذ، واقتصاد. حكام العالم الذكي ليسوا دراويش تقودهم النبوءات، بل هم لاعبون بارعون يحركون بيادقهم بآليات تقنية معاصرة وبراغماتية باردة، بينما يغذون وقود الحرب ومحركات التعبئة الجماهيرية بأقدم وأقوى طاقة عرفها البشر: العقيدة.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن