|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

حامد الضبياني
2026 / 6 / 6
في البلدان التي تُبنى على المؤسسات يكون المسؤول موظفاً عاماً يخضع للمساءلة، أما في البلدان التي تُبنى على الأوهام فإن المسؤول يتحول إلى أسطورة، والأسطورة لا تُسأل ولا تُحاسب ولا يُسمح لأحد أن يقترب من هالتها المقدسة، حتى إذا ظهرت الأسئلة قيل للناس: اسكتوا، فأنتم تهدمون المعبد فوق رؤوس المؤمنين.ومنذ سنوات طويلة تعاني الرياضة العراقية من هذه الظاهرة الغريبة؛ ظاهرة البحث الدائم عن المخلّص، وكأن الكرة العراقية سفينة غارقة لا ينقذها نظام ولا قانون ولا إدارة، بل ينقذها رجل واحد يأتي على هيئة بطل شعبي، ثم لا يلبث الناس أن يكتشفوا بعد سنوات أن البطل كان بشراً مثلهم، يصيب ويخطئ، ويخضع للنجاح والفشل كما يخضع سائر البشر.ولعل المأساة الكبرى ليست في الأشخاص، بل في العقل الجمعي الذي يرفض الاعتراف بأن المؤسسات هي التي تصنع الإنجازات، لا الأفراد، وأن الرياضة لا تنهض بالخطب ولا بالصور ولا بالمؤتمرات الصحفية، بل بالخطط والميزانيات والرقابة والشفافية.لقد تحولت وزارة الشباب والرياضة في العراق خلال عقود طويلة إلى مرآة تعكس أزمة الدولة نفسها؛ فكل وزير يأتي حاملاً وعود الإصلاح، ثم يدخل إلى متاهة البيروقراطية والعقود واللجان والمناقصات والمكاتب الاقتصادية والولاءات الحزبية، فيخرج بعد سنوات وقد صار جزءاً من المشكلة التي جاء ليحلها، وكأن الوزارة ليست مؤسسة حكومية بل طاحونة تدور منذ عشرين عاماً وتطحن الوجوه نفسها بأسماء مختلفة.وحين نتحدث عن عدنان درجال أو غيره من المسؤولين الذين مروا على المشهد الرياضي، فإن الحديث لا ينبغي أن يكون حديث قديسين أو شياطين، لأن الدولة لا تُدار بسير الأولياء ولا بمحاكم التفتيش الشعبية، وإنما تُدار بالقانون. فمن حق أي مسؤول أن يُمدح إذا أنجز، ومن حق الناس أن تسأله إذا أخفق، ومن واجب الجهات الرقابية أن تحقق في كل شبهة أو ملف أو عقد أو هبة أو تخصيص مالي يثار حوله الجدل، لأن المال العام ليس ملكاً لأحد، بل هو ملك للشعب كله.والمثير للسخرية أن بعض الجماهير تتعامل مع المسؤول الرياضي كما يتعامل الدراويش مع صاحب الكرامات؛ فإذا قيل لهم إن هناك تساؤلات عن عقود أو أموال أو قرارات إدارية، أجابوا بغضب: كيف تجرؤون على المساس بالبطل؟ وكأن البطولة في الملاعب تمنح حصانة أبدية ضد المساءلة، مع أن القانون لا يعرف هدافاً ولا حارس مرمى ولا وزيراً ولا رئيس اتحاد، بل يعرف مواطناً ومسؤولاً ومالاً عاماً يجب أن يخضع للرقابة.إن أخطر ما يصيب الأمم ليس الفساد وحده، بل تقديس الأشخاص، لأن الفساد يمكن اكتشافه ومحاربته، أما التقديس فإنه يعمي الأبصار عن رؤية الفساد أصلاً. وحين يصبح المسؤول فوق النقد تتحول الدولة كلها إلى مسرح كبير للتصفيق، ويصبح الجمهور شريكاً في صناعة الوهم وهو يظن أنه يدافع عن الحقيقة.ولقد شهد العراق كثيراً من الشخصيات التي قُدمت للجماهير على أنها المخلّص المنتظر، ثم اكتشف الناس بعد حين أن الألقاب كانت أكبر من الإنجازات، وأن الصور كانت أوسع من الوقائع، وأن الشعارات كانت أسرع من النتائج. ولذلك فإن الحكمة تقتضي ألا نجعل من أحد نبياً في الإدارة، ولا قديساً في السياسة، ولا منقذاً أبدياً في الرياضة.أما الزج بالطائفية والمكونات في معارك الكرة فهو الوجه الأكثر قبحاً في المشهد كله، لأن المنتخب الوطني لم يكن يوماً منتخب مذهب أو قومية أو منطقة، بل كان منتخب العراق، ولأن اللاعب حين يرتدي القميص الوطني لا يحمل معه بطاقة الطائفة بل يحمل علم البلاد. وكل محاولة لتحويل الخلافات الرياضية إلى نزاعات مكونات ليست سوى اعتداء على آخر المساحات التي ما زالت تجمع العراقيين تحت راية واحدة.إن الكرة العراقية لا تحتاج إلى أصنام جديدة، ولا إلى معارك إلكترونية تتبادل فيها الجموع الشتائم والتخوين، بل تحتاج إلى مؤسسات قوية، وعقود شفافة، وإدارات محترفة، وهيئات رقابية يقظة، وقانون يسير فوق الجميع بلا استثناء. وعندما يتحقق ذلك لن يكون مهماً من يجلس على الكرسي، لأن الكرسي نفسه سيكون محكوماً بالقانون لا بالأهواء.وحينها فقط سنكتشف أن المشكلة لم تكن في شخصٍ بعينه، بل في ثقافةٍ كاملةٍ اعتادت أن تبحث عن البطل أكثر مما تبحث عن النظام، وأن ترفع الصور أكثر مما ترفع التقارير، وأن تصفق للأسماء أكثر مما تراقب الأرقام. وتلك هي الحكاية التي تتكرر في الرياضة كما تتكرر في السياسة؛ تتبدل الوجوه، ويبقى السؤال القديم واقفاً عند باب الدولة: متى يصبح القانون هو النجم الأول الذي لا يُهزم؟
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |