اعلام بلا رؤية

عبدالله عطوي الطوالبة
2026 / 6 / 6

ظهر تعبير التربية الاعلامية في أواخر ستينيات القرن الفارط، في إطار محدد يحيل إلى استخدام وسائل الاعلام وأدوات الاتصال في العملية التعليمية، ولتحقيق منافع تربوية.
في عصر الفضاء المفتوح وتدفق المعلومات، من الطبيعي أن يتسع دور التربية الاعلامية، وبشكل خاص باتجاه التعامل مع المنتج الاعلامي.
وتجدر الاشارة في السياق إلى اعتماد منظمة اليونيسكو لمخرجات مؤتمر فيينا 1999، الذي عُقد برعايتها، على مستوى تحديد دور التربية الاعلامية والخطوط الرئيسة لاختصاصها. ويتصدر ذلك، التعامل مع وسائل الاعلام بكافة أشكالها وتقنياتها، واكتساب مهارات استخدام وسائل التواصل الاجتماعي. يُضاف إلى ذلك، التعرف على مصادر المواد الاعلامية وكيفية الوقوف على أهدافها السياسية والاجتماعية والثقافية، ناهيك بتكوين آراء انتقادية حول المنتج الاعلامي.
في الأردن، بدأ الاهتمام الرسمي بالتربية الاعلامية سنة 2016، وبدأت وزارة التربية والتعليم بتطبيق برامجها ومفاهيمها في مئة مدرسة كنشاط اثرائي ضمن الأنشطة اللامنهجية. وفي عام 2021 أدرِجت التربية الاعلامية كمتطلب جامعي، وأُطلِقَت خطتها التنفيذية (2020- 2023).
اهتمام واضح على الصعيد الاجرائي، لكن ثمة ما يلفت النظر في تصريحات ممثلي الحكومة على مختلف المستويات في الفعاليات والأنشطة المتعلقة بالتربية الاعلامية. فلا تكاد تمر مناسبة من هذا النوع، إلا وتتكرر فيها كليشيهات تنطوي على التوجهات الفعلية تحت هذا العنوان. ولعل أول ما يُلحظ على هذا الصعيد، النبرة التحذيرية مما يسميه الخطاب الرسمي "التعامل بوعي مسؤول مع المحتوى الاعلامي". عقلية الوصاية هنا واضحة، وعلى وجه التحديد في تعبير "التعامل بوعي"، وكأن ما تراه الحكومة وعيًا فهو الوعي المسؤول، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. بطبيعي الأمر، نحن هنا أمام عقلية ترفض أن تتخلى عن "الريموت" و "الباراشوت". ولا تتخيل وجود اعلام "خارج السيطرة"، ينحصر دوره في الترويج للسياسات الرسمية ولو بأساليب منمطة مسئمة تضر ولا تنفع بمعايير الاعلام الحديث.
الاعلام الرقمي نتاج أحد أعظم التحولات في التاريخ الانساني، ونعني الانترنت وتكنولوجيا الاتصال والسماوات المفتوحة. ولقد قُضي الأمر وحُسم، لجهة تكريس حقيقة أنه اعلام العصر والمستقبل. ومن أعظم منجزاته فرض ديمقراطية المعلومة، ونظنه في طريقه لفرض الديمقراطية السياسية. وعليه، لا يمكن التعامل مع هذا التحول التاريخي بعقلية الريبة والتوجس المتوارثة من أزمنة عُرفية غابرة، بل بالتفهم وأن يُبنى على الأمر مقتضاه. فلا يمكن معاندة مسار التاريخ، ومعاكسة تحولاته ومستجداته.
ويلفت النظر أيضًا، حرص الخطاب الرسمي على أن يستحضر تحت عنوان التربية الاعلامية كليشيه "ضرورة حضور الرواية الحكومية على المنصات الرقمية". ولا يفوت الخطاب ذاته أن يحشر في أي حديث يتعلق بالتربية الاعلامية، وبصيغة تحذيرية، تبعات ما يسميه "تدفق المحتوى الاعلامي"، داعيًا إلى "التحقق من صحة المعلومات" وضرورة "امتلاك مهارات تحليل المعلومات".
والذي نراه بهذا الخصوص، أن كلامًا من هذا النوع يستبطن اعترافًا جليًّا باخفاق الاعلام الرسمي في التعامل مع تحولات المرحلة، وهذا صحيح. ولهذا الكلام خبيء، معناه أن اعلام الحكومة لم يُفلح في اقناع الناس بروايتها.
مستصفى القول باختصار، كأن "الحكومات" تجد في التربية الاعلامية مدخلًا لاضافة المزيد من القيود على الاعلام، وهي الخاسر الأول.
فمن آكد الأمور بمعايير عصر الفضاء المفتوح، أن اعلام الرؤية الأحادية فاقد للثقة وغير مؤهل لكسبها، خاصة في ظل توفر مصادر المعلومات، وما أكثرها.
بشروط هذا العصر، لا اعلام من دون حريات، ولا حريات بلا تعددية واحترام الرأي المختلف. أي تدخل حكومي في شؤون الاعلام، سواء كان بالتشريع أو بالتغريد خارج مسار عصر الفضاء المفتوح وتدفق المعلومات بلا حواجز ومن دون موانع، لا يمكن أن يكون في صالح الحريات الاعلامية، بل العكس هو الصحيح.
تأسيسًا على ما تقدم، ونضيف إليه إحياء وزارة الاعلام بعد أن شبعت موتًا، باسم وزارة الاتصال الحكومي ليس لحاجة ولكن كدليل على التخبط، لا نرى ما يمنع من القول إن الاعلام الأردني فاقد للرؤية المواكبة لروح العصر وتحولاته. إنه اعلام حكومات وليس اعلام دولة.
بالمناسبة، لا يوجد وزارات اعلام في العشرية الثالثة من القرن الحادي والعشرين إلا في الدول ذات الأنظمة غير الديمقراطية.
للتذكير، تراجع الأردن 15 مرتبة في المؤشر السنوي لحرية الصحافة، حيث أصبح في المرتبة 147 من أصل 180 دولة !

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن