بين وحدة الفعل ووحدة الوهم ملاحظات نقدية على مساهمة الرفيق سعيد الريشة

سعد بن علال
2026 / 6 / 5

نشر مؤخرا بموقع جريدة المناضلة مقال للرفيق سعيد الريشة بعنوان: "لنسدد حيث يجب"، وذلك في سياق تفاعله مع الدعوة التي وجهها الرفيق الحبيب التيتي لفتح نقاش سياسي وفكري حول الموقف الماركسي من الانتخابات بالمغرب. وقد اختار الرفيق الريشة أن يحول مركز النقاش من قضية الانتخابات إلى قضية يعتبرها أكثر إلحاحا، وهي وحدة فعل اليسار المغربي في مواجهة التشتت المزمن الذي يعيشه منذ عقود.

ولا شك أن النص يطرح إشكالية حقيقية تستحق النقاش. فالأزمة التي يعيشها اليسار المغربي اليوم ليست وهما، كما أن التشرذم التنظيمي والحلقية الإيديولوجية والعجز عن التأثير في مجرى الصراع الاجتماعي والسياسي أصبحت حقائق يصعب إنكارها. كما أن الحرص على البحث عن صيغ للتقارب والعمل المشترك بين مكونات اليسار يظل هاجسا مشروعا لكل من ينشد إعادة بناء قوة اجتماعية وسياسية قادرة على مواجهة الاستبداد والرأسمالية.

غير أن مشروعية السؤال لا تعني بالضرورة صحة الأجوبة المقترحة له. فمن يقرأ مساهمة الرفيق الريشة يلاحظ أنها تنطلق من تشخيص سليم نسبيا لبعض مظاهر الأزمة، لكنها تنتهي إلى استنتاجات سياسية تظل، في نظرنا، محل نقاش عميق. بل إن النص، وهو يدعو إلى تجاوز السجالات التقليدية بين مكونات اليسار، ينزلق أحيانا إلى اختزال الأزمة في مجرد مشكلة تشتت تنظيمي أو غياب إرادة وحدوية، في حين أن جذور المأزق أعمق بكثير من ذلك.

لهذا لا يأتي هذا المقال دفاعا عن هذا الموقف أو ذاك في قضية الانتخابات، ولا انتصارا لهذا التنظيم أو ذاك داخل اليسار، بقدر ما يأتي لمناقشة الفرضية المركزية التي يقوم عليها نص الرفيق سعيد الريشة: هل تكمن أزمة اليسار فعلا في غياب وحدة الفعل؟ أم أن أزمة وحدة الفعل نفسها ليست سوى تعبير عن أزمة أعمق تطال المشروع والهوية والأفق التاريخي لليسار المغربي برمته؟

من هذه الزاوية تحديدا نحاول فتح نقاش رفاقي هادئ، لا حول الانتخابات فقط، بل حول الأسس النظرية والسياسية التي تبنى عليها الدعوة إلى الوحدة، وحول حدودها وإمكاناتها ومخاطرها أيضا.

ليس من الصعب الاتفاق مع جزء مهم مما يطرحه الرفيق سعيد الريشة. فمنذ عقود واليسار المغربي يدور في حلقة مفرغة: انقسامات لا تنتهي، سجالات لا تنتهي، يقينيات متصارعة لا تنتهي. وليس من المبالغة القول إن أزمة اليسار اليوم ليست فقط أزمة برنامج أو تكتيك أو قيادة، بل أزمة وجود تاريخي بأكمله.

لكن الاعتراف بصحة التشخيص لا يعني القبول بالاستنتاجات السياسية التي تبنى عليه.

فحين يؤكد الرفيق أن "أصغر تقدم تحرزه وحدة فعل اليسار أهم من مائة انتصار في مائة سجال نظري"، يبدو الكلام لأول وهلة بديهيا ومقنعا. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هو: وحدة فعل حول ماذا؟ ومن أجل ماذا؟ وبأي أفق؟

إن تاريخ اليسار مليء بوحدات لم تنتج سوى مزيد من الإحباط لأنها قامت على تجميع تنظيمات ضعيفة داخل إطار أضعف منها جميعا. ليست المشكلة في غياب الوحدة كقيمة أخلاقية، بل في غياب المشروع القادر على إعطاء معنى لهذه الوحدة.

لقد تحولت الوحدة في النص إلى غاية في ذاتها، بينما هي في التجربة التاريخية أداة وليست هدفا. فالوحدة التي لا تحل أزمة العلاقة بالجماهير، ولا أزمة المشروع، ولا أزمة التنظيم، تتحول بسرعة إلى مجرد تدبير جماعي للأزمة.

يذهب الرفيق إلى اعتبار الخلاف حول الانتخابات مسألة ثانوية أمام ضرورة وحدة الفعل. لكن السؤال الأعمق ليس الانتخابات أو المقاطعة.

فالانتخابات ليست أصل الأزمة، كما أن المقاطعة ليست أصل الأزمة.

الأزمة الحقيقية هي أن اليسار، بمختلف مكوناته، فقد منذ زمن طويل قدرته على التأثير في السيرورة الاجتماعية الفعلية. لا المشاركون استطاعوا تحويل المؤسسات إلى منابر جماهيرية مؤثرة، ولا المقاطعون استطاعوا تحويل المقاطعة إلى قوة سياسية منظمة.

لهذا يبدو السجال بين المشاركة والمقاطعة في كثير من الأحيان سجالا بين استراتيجيتين عاجزتين أكثر منه سجالا بين استراتيجيتين ناجحتين.

من هنا تظهر حدود الاستشهاد المتكرر بلينين. فالمشكلة ليست في ما قاله لينين عن البرلمان قبل قرن، بل في الشروط التاريخية التي جعلت من ذلك التكتيك جزءا من استراتيجية ثورية متكاملة.

لقد كان لدى البلاشفة حزب جماهيري، ونقابات، وصحافة، وحضور داخل الطبقة العاملة، وحركة جماهيرية صاعدة.

أما عندنا، فإن استدعاء النصوص الكلاسيكية غالبا ما يتحول إلى تعويض رمزي عن ضعف الواقع.

ولهذا فإن السؤال الماركسي الحقيقي لا ينبغي أن يكون: هل كان لينين مع المشاركة أم ضدها؟

بل: ما هي الأدوات السياسية والتنظيمية القادرة اليوم على إعادة بناء نفوذ اجتماعي فعلي داخل صفوف الكادحين؟

ذلك هو السؤال الذي يسبق الانتخابات كما يسبق المقاطعة.

ثم إن النص يفترض أن توحيد اليسار شرط لتغيير ميزان القوى. والحال أن التجربة المغربية نفسها تظهر أن ميزان القوى لا يتغير بمجرد جمع تنظيمات ضعيفة داخل إطار واحد.

إن أزمة اليسار ليست فقط في تشتته، بل أيضا في ضعفه البنيوي، وفي شيخوخة نماذجه التنظيمية، وفي عجزه عن فهم التحولات العميقة التي عرفها المجتمع.

لقد تغير العالم أكثر مما تغيرت أغلب تنظيمات اليسار. تغيرت الطبقة العاملة. تغيرت أشكال الاستغلال. تغيرت أدوات الهيمنة. تغيرت أشكال التعبئة.

بينما ما زالت أجزاء واسعة من اليسار تخوض معارك الأمس بأدوات الأمس ولغة الأمس.

لهذا فإن الحديث عن الوحدة يصبح أحيانا شكلا من أشكال الهروب إلى الأمام إذا لم يقترن بنقد جذري للذات.

إن المطلوب اليوم ليس فقط توحيد ما هو موجود، بل مساءلة ما هو موجود أصلا.

فقد تكون بعض الانقسامات نتيجة أزمة. لكن قد تكون بعض أشكال الوحدة أيضا جزءا من الأزمة نفسها.

إن المهمة التاريخية لا تكمن في جمع بقايا اليسار داخل بيت أكبر، بل في إعادة بناء مشروع تحرري جديد قادر على مخاطبة أجيال جديدة، وقادر على فهم المغرب كما هو لا كما كان قبل ثلاثين أو أربعين سنة.

إن معركة المستقبل ليست بين المقاطعين والمشاركين، وليست بين اللينينيين والتروتسكيين أو بين الإصلاحيين والجذريين.

المعركة الحقيقية هي بين من يسعى إلى إعادة إنتاج الأجوبة القديمة وبين من يمتلك الجرأة لطرح الأسئلة الجديدة.

ومن هذه الزاوية تحديداً، فإن وحدة الفعل تصبح ضرورة، نعم، لكن شرط ألا تتحول إلى بديل عن النقد، وألا تصبح غطاءً لإرجاء النقاش حول الأسباب العميقة للأزمة.

فالتاريخ لا يعاقب المنقسمين فقط.

إنه يعاقب أيضا أولئك الذين يتوحدون حول أوهام مشتركة.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن