|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

حامد الضبياني
2026 / 6 / 5
ليست السياسة كتابَ أخلاقٍ يُفتح على صفحة العدالة، ولا هي محكمةٌ كونيةٌ توزّع العقوبات على المذنبين بالتساوي، بل هي غابةٌ من المصالح تمشي فيها الذئابُ بأنيابٍ من ذهب، وتُقاس فيها قيمةُ الأمم بقدرتها على أن تكون مفيدةً أو مزعجة، لا بمدى استحقاقها للحياة أو السقوط. ولهذا ظلّ السؤال العربي معلقًا فوق خرائط الشرق الأوسط مثل مصباحٍ يتيم في ليلٍ طويل: إذا كانت الولايات المتحدة قد أسقطت بغداد وطرابلس، فلماذا لم تُسقط طهران؟ ولماذا عبرت الدبابات إلى قصور صدام حسين ومعمر القذافي، لكنها توقفت عند أبواب الجمهورية الإسلامية، رغم أن الخصومة بين الطرفين تُعرض يوميًا على شاشات العالم وكأنها الفصل الأخير من حربٍ أبدية؟.. ولأن العقل العربي تعوّد أن يبحث عن إجابةٍ بسيطة لسؤالٍ معقد، فقد انقسم بين من يرى إيران عملاقًا لا يُهزم، وبين من يراها مجرد دميةٍ تتحرك بخيوط أمريكية وإسرائيلية، بينما الحقيقة غالبًا ما تقف في منطقةٍ أكثر غموضًا من الطرفين؛ فالدول الكبرى لا تُسقط خصومها لأنها تكرههم، ولا تُبقي عليهم لأنها تحبهم، بل لأنها تحسب الربح والخسارة كما يحسب التاجر وزن الذهب في كفة الميزان.لقد كان صدام حسين، في لحظةٍ ما، مشكلةً يمكن حلها بالدبابات، وكان القذافي معضلةً يمكن تفكيكها بالطائرات، أما إيران فليست رجلًا يجلس في قصرٍ يمكن اقتحامه، بل منظومةٌ ممتدةٌ في الجغرافيا والعقيدة والاقتصاد والأمن والتحالفات. إنها دولةٌ بنت لنفسها جدرانًا كثيرة؛ بعضها من الصواريخ، وبعضها من الأيديولوجيا، وبعضها من شبكات النفوذ التي تمتد كجذور شجرةٍ عتيقة تحت تربة المنطقة. ولهذا فإن إسقاطها لا يشبه إسقاط نظامٍ سياسي، بل يشبه محاولة اقتلاع جبلٍ كامل من مكانه، وهو أمرٌ قد يُسقط الحجر على رأس من يحاول حمله.ثم إن أمريكا نفسها ليست تلك الإمبراطورية التي خرجت من العراق كما دخلته. فقد دخلت بغداد وهي تتخيل أنها ستعيد رسم الشرق الأوسط بقلمٍ أحمر، لكنها خرجت وهي تجرّ خلفها أسئلةً أكثر من الأجوبة. اكتشفت أن إسقاط النظام أسهل من بناء الدولة، وأن هدم السقف لا يعني بالضرورة معرفة كيف يُبنى البيت. ومن هنا وُلد الخوف الأمريكي من الفراغ؛ ذلك الوحش الذي يخرج من تحت أنقاض الأنظمة المدمرة ليبتلع الجميع بلا استثناء. ولهذا لم تعد واشنطن تنظر إلى تغيير الأنظمة بالحماسة ذاتها التي كانت تنظر بها قبل عقدين.لكن المسألة لا تتعلق بأمريكا وحدها، فإيران أيضًا فهمت اللعبة جيدًا. أدركت أن العالم لا يحترم الضعفاء، وأن الدول الصغيرة تُؤكل كما تُؤكل الخراف في مواسم الجوع، فقررت أن تجعل من نفسها ملفًا معقدًا لا يمكن إغلاقه بسهولة. ولهذا صنعت لنفسها أوراقًا كثيرة، حتى أصبح أي صراع معها أشبه بمحاولة تفكيك قنبلةٍ لا يعرف أحد أي الأسلاك يجب قطعها أولًا.أما العرب، فهم الحاضر الغائب في هذه المعادلة. فالمأساة ليست أن إيران قوية فقط، بل أن العالم العربي غالبًا ما تصرف كجسدٍ يملك عضلاتٍ هائلة لكنه فقد القدرة على توجيهها. النفط موجود، والثروة موجودة، والسكان موجودون، والجغرافيا موجودة، لكن الإرادة المشتركة كثيرًا ما كانت مفقودة. ولهذا بدا المشهد أحيانًا كما لو أن أمةً كاملة تمتلك الحصان لكنها نسيت كيف تمتطيه، بينما استطاع خصومها أن يحققوا نفوذًا أكبر بأدواتٍ أقل وإمكاناتٍ أضعف.أما النظرية التي تقول إن إيران مجرد أداةٍ أمريكية أو إسرائيلية، فهي تشبه تلك المرايا المشروخة التي تعكس نصف الصورة فقط. نعم، هناك لحظاتٌ استفاد فيها كل طرف من وجود الآخر، ونعم، هناك صفقاتٌ ومساوماتٌ وأبوابٌ خلفية في السياسة الدولية لا يراها العامة، لكن تحويل عقودٍ من الصراع والعقوبات والاغتيالات والتهديدات العسكرية إلى مسرحيةٍ متفقٍ عليها مسبقًا، هو تبسيطٌ مفرط لعالمٍ أكثر تعقيدًا من أن يُختصر بنظريةٍ واحدة.
الحقيقة الأقرب إلى المنطق أن أمريكا لا تبحث عن إسقاط كل خصم، بل عن إدارة الخصوم بما يخدم مصالحها، وأن إيران لا تسعى إلى هزيمة أمريكا عسكريًا، بل إلى جعل كلفة مواجهتها مرتفعة. وبين هذين الهدفين تتحرك المنطقة كلها كرقعة شطرنج ضخمة؛ تُحرّك فيها الأحجار الكبيرة الأحجار الصغيرة، بينما يظن الكثير من البيادق أنها هي التي تصنع اللعبة.وهكذا يبقى السؤال: لماذا سقط صدام والقذافي ولم تسقط إيران؟ والجواب الفلسفي ربما يكون أن التاريخ لا يعامل الجميع بالمقياس نفسه، وأن الدول لا تُحاكم وفق ما فعلته، بل وفق ما يمكن أن يحدث بعد سقوطها. فحين تخاف القوى الكبرى من نتائج انهيار خصمٍ أكثر مما تخاف من بقائه، يتحول ذلك الخصم من مشروع إسقاط إلى مشروع احتواء. وهنا تكمن المفارقة الكبرى؛ إذ قد يكون بقاء بعض الأنظمة في عالم السياسة ليس دليل قوتها المطلقة، بل دليل خوف الآخرين من الفوضى التي قد تولد بعد رحيلها.وهكذا تستمر المنطقة في الدوران داخل الحلقة نفسها؛ خصوماتٌ لا تنتهي، وحروبٌ لا تُحسم، وشعوبٌ تدفع الفاتورة، بينما يجلس التاريخ في مقعده القديم يراقب الجميع ويبتسم بسخريةٍ باردة، كأنه يعرف منذ البداية أن الحقيقة ليست فيمن سقط، بل فيمن جعل سقوطه أكثر كلفةً من بقائه.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |