|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

حامد الضبياني
2026 / 6 / 5
ثمة أوطانٌ تسير إلى المستقبل على سكك المعرفة، وأوطانٌ تتعثر في الطريق ثم تنهض، وأوطانٌ أخرى تضل الطريق فتبحث عنه في خرائط الحكم والقانون، لكن العراق، في نسخته السياسية المعاصرة، يبدو كفارسٍ أضاع حصانه منذ زمن بعيد، ثم أقنع نفسه أن الصهيل وحده يكفي للوصول إلى الغاية.لقد خرج الحصان من الحكاية وبقيت أصوات الحوافر تتردد في الفراغ. لم يعد أحد يسأل أين ذهبت القوة الحقيقية للدولة، ولا أين تبخرت هيبتها، ولا كيف تحولت مؤسساتها إلى ما يشبه الخيام المتجاورة في صحراء واسعة، لكل خيمة شيخها ورايتها ورعاتها وأغنامها وحراسها وأغنيتها الخاصة عن الوطنية. صار الجميع يرفع راية الدولة بيد، ويقتسم جلدها باليد الأخرى، حتى غدت البلاد تشبه وليمةً لا يشبع منها أحد رغم أنها لم تترك فيها لقمة واحدة سليمة.في الدوثراكية العراقية الجديدة لم تعد السياسة فناً لإدارة الممكن، بل تحولت إلى سباق طويل فوق ظهور الشعارات. كل فارس يلوّح بسيف الخلاص بينما يجر خلفه قافلةً من الخراب، وكل زعيم يتحدث عن الشعب كما يتحدث التاجر عن بضاعته المفضلة، يلمعها في النهار ثم يبيعها عند أول مزاد. أما الوطن، ذلك الكائن العجوز الذي استنزفته الحروب والحصارات والاحتلالات والفساد، فقد جلس في زاوية المشهد كأبٍ هرم يرى أبناءه يتشاجرون على إرثه قبل أن يموت.العجيب أن الجميع يتحدث عن الدولة، لكن أحداً لا يريدها. الدولة الحقيقية كائن مزعج لأمراء الغنائم، لأنها تسأل عن الحسابات وتطالب بالإيصالات وتفتح دفاتر الأرقام وتبحث عن المال الضائع. ولذلك كان لا بد من استبدالها بشيء أكثر مرونة؛ شيء يشبه الضباب، يمكن رؤيته من بعيد ولا يمكن الإمساك به من قريب. وهكذا ولدت جمهورية الصهيل العظيم، حيث ترتفع الأصوات كلما انخفضت الإنجازات، ويزداد الضجيج كلما اتسعت الفجوة بين المواطن وخبزه ودوائه وكرامته.في هذه الجمهورية العجيبة صار الفشل نفسه مؤهلاً للترقية. المسؤول الذي يعجز عن إدارة دائرة يصبح خبيراً استراتيجياً، والذي يغرق مؤسسة كاملة يتحول إلى منظّر للإصلاح، والذي يختفي المال في عهده يصبح محاضراً في النزاهة. إنها معجزة سياسية لا يعرفها علم الإدارة ولا تفسرها كتب الاقتصاد، لكنها مزدهرة كالأعشاب الطفيلية التي تنمو فوق جدران البيوت المهجورة.أما المواطن، ذلك المخلوق الذي يُستدعى دائماً عند الحاجة إلى التصويت ويُنسى عند الحاجة إلى الحياة، فقد تعلم أن يعيش بين خطبتين. ينتظر الكهرباء بين وعدين، وينتظر الماء بين تصريحين، وينتظر العدالة بين لجنتين، ثم يكتشف في نهاية المطاف أن عمره كله مضى في قاعة انتظار كبيرة اسمها الوطن.لقد نجحت الدوثراكية العراقية في ابتكار فلسفة جديدة للحكم؛ فلسفة تجعل الأزمة مصدراً للطاقة السياسية. فحين تُحل المشكلات تتوقف الذرائع، وحين تتوقف الذرائع تنكشف الحقائق، وحين تنكشف الحقائق يصبح السؤال أكبر من قدرة الخطباء على الاحتمال. لذلك بقيت الأزمات حية تتناسل كأنها استثمار طويل الأمد، وبقيت الحلول مؤجلة كما تؤجل القبائل موعد الرحيل في انتظار مطر لا يأتي. وإذا كان الدوثراكيون في الأساطير يقيسون قوتهم بعدد الخيول، فإن دوثراكيي السياسة العراقية يقيسونها بعدد الأتباع والحمايات والمكاتب واللافتات والصور العملاقة التي تراقب الشوارع أكثر مما تراقبها القوانين. وحين يختلفون لا يبحثون عن المصلحة العامة بل عن حجم الحصة، لأن الوطن في عرف الغنيمة ليس بيتاً للجميع بل كعكةً كبيرة يتقاتل حولها الطهاة حتى يحترق الفرن بمن فيه.المأساة أن العراق ليس بلداً فقيراً كي يُعذر، ولا أرضاً قاحلة كي يُسامح، ولا شعباً عاجزاً كي يُشفق عليه. إنه بلدٌ منحته الجغرافيا ما يكفي ليكون غنياً، ومنحه التاريخ ما يكفي ليكون عظيماً، ومنحته الحضارة ما يكفي ليكون معلماً للأمم، لكنه ابتُلي بطبقة سياسية ما زالت تتعامل معه كأنه معسكر مؤقت لا وطن دائم، وكأنها ستغادره غداً تاركةً خلفها الجدران المتصدعة والأنهار المتعبة والمدارس التي شاخت قبل تلاميذها.ومع ذلك فإن الحكاية لم تنتهِ بعد. فالأوطان لا تموت بسهولة، والعراق تحديداً يمتلك موهبة نادرة في النجاة من الذين يحكمونه. لقد نجا من الغزاة ومن الطغاة ومن الحروب ومن المجاعات ومن الانقسامات، وربما سينجو أيضاً من هذه الدوثراكية الحديثة التي استبدلت بناء الدولة بإدارة الصراع عليها.وحين يأتي ذلك اليوم، يوم يستعيد الحصان مكانه ويخفت الصهيل قليلاً، سيدرك الجميع أن الأوطان لا تُبنى بالأصوات العالية، ولا بالخطب الطويلة، ولا برايات الولاء المتعددة، بل بمؤسساتٍ تحترم الإنسان، وقوانينَ تعلو على الأشخاص، وعدالةٍ لا تسأل المواطن عن اسمه قبل أن تمنحه حقه.عندها فقط سيكتشف العراق أنه لم يكن بحاجة إلى مزيد من الفرسان، بل إلى من ينزل عن صهوة الغنيمة ويمسك بلجام الدولة.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |