|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
سعد بن علال
2026 / 6 / 5
برحيل إدغار موران، لا يطوى فقط فصل من فصول الفكر المعاصر، بل تنطفئ أيضا واحدة من أكثر العقول إصراراً على مقاومة التبسيط واليقينيات الجاهزة. لقد عاش الرجل أكثر من قرن، عابرا للحروب والثورات والانهيارات الكبرى، شاهدا على تحولات عالمية عميقة، لكنه ظل حتى سنواته الأخيرة يحتفظ بفضول فكري نادر وقدرة استثنائية على إعادة طرح الأسئلة القديمة بصيغ جديدة.
ينتمي موران إلى جيل من المفكرين الذين لم يفصلوا بين المعرفة والحياة، بين الفكر والتجربة التاريخية. فقد خرج من رحم القرن العشرين بكل مآسيه وآماله، حاملاً اقتناعا راسخا بأن فهم العالم يقتضي التحرر من النظرات الأحادية التي تختزل الواقع في بعد واحد أو تفسير واحد. ومن هنا جاءت دعوته إلى "الفكر المركب"، ليس كموضة أكاديمية، بل كضرورة تفرضها طبيعة عالم تتشابك فيه الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والثقافية على نحو غير مسبوق.
لقد أدرك مبكر أن البشرية دخلت زمنا جديدا، لم تعد فيه الحدود التقليدية بين الحقول المعرفية قادرة على تفسير ما يجري. فالأزمة البيئية ليست منفصلة عن أنماط الإنتاج والاستهلاك، والتقدم التكنولوجي ليس معزولا عن علاقات السلطة، والعولمة ليست مجرد اندماج اقتصادي بل إعادة تشكيل شاملة للعالم ولأشكال الهيمنة داخله. ولهذا ظل يدعو إلى استعادة النظرة الكلية التي ترى الترابط بين الظواهر بدل الاكتفاء بتفكيكها إلى عناصر منفصلة.
غير أن أهمية موران لا تكمن فقط في ما قدمه من مفاهيم، بل أيضا في موقفه الفكري والأخلاقي. فقد ظل طوال مسيرته رافضا للدوغمائيات بمختلف أشكالها، منتقدا لكل أشكال الانغلاق العقائدي، ومدافعا عن حق الفكر في الشك والمراجعة والتجدد. وفي زمن تتصاعد فيه الشعبويات والنزعات الهوياتية الضيقة، بدا صوته وكأنه تذكير دائم بأن مصير البشرية واحد، وأن الأزمات الكبرى لا يمكن مواجهتها إلا بمنطق التضامن الكوني.
ومع ذلك، فإن أفضل تكريم لإدغار موران لا يكون بتحويله إلى أيقونة فكرية جديدة، بل بقراءة أعماله قراءة نقدية. فالتعقيد الذي تحدث عنه لا يلغي وجود التناقضات الاجتماعية العميقة التي تشق العالم، ولا يعفي من البحث في جذور اللامساواة والاستغلال والحروب. إن فهم ترابط الظواهر ينبغي أن يقود إلى مساءلة القوى التي تنتج هذا الواقع وتعيد إنتاجه، لا إلى الاكتفاء بوصف تشابكاته.
برحيل موران، يفقد الفكر العالمي أحد آخر ممثلي جيل كان يؤمن بأن المعرفة مشروع تحرر، وأن التفكير فعل مقاومة في مواجهة الجهل والتعصب والامتثال. لكن الأفكار التي تركها ستظل حية، ليس لأنها تقدم أجوبة نهائية، بل لأنها تدفعنا إلى التفكير في عالم يزداد تعقيدا، وإلى البحث عن سبل تغييره بدل الاكتفاء بتفسيره.
لقد رحل الرجل، لكن السؤال الذي ظل يرافق مسيرته الفكرية ما يزال مطروحا بإلحاح: كيف يمكن للإنسانية أن تفهم نفسها في عالم صنعته، ثم أصبح أكبر من قدرتها على الفهم؟
ذلك هو السؤال الذي يجعل من إرث إدغار موران إرثا مفتوحا على المستقبل، لا مجرد ذكرى من الماضي.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |