|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

حامد الضبياني
2026 / 6 / 4
في مفترقٍ خافتٍ من ذاكرة الدولة، حيث تتكئ الشعارات على جدرانها المتعبة وتغفو الوعود في أدراج المكاتب المغلقة، يقف جيلٌ كاملٌ من المتقاعدين كأنهم بقايا زمنٍ لم يُنصفه الحاضر بعد… رجالٌ ونساءٌ خرجوا من قلب الخدمة كما تخرج النار من الرماد، لكنهم لم يخرجوا من الألم، بل ازداد التصاقاً بأجسادهم حتى صار جزءاً من تفاصيلهم اليومية.إنهم ليسوا أرقاماً في جداول الرواتب، ولا ملفاتٍ في أرشيف الدوائر، بل ذاكرة وطنٍ كاملة… حملوا البنادق حين كان الخوف عنوان البلاد، وحملوا الأقلام حين كان الجهل يزاحم الضوء، وحين انتهت المعارك، لم تنتهِ آثارها في أجسادهم ولا في جيوبهم ولا في أرغفة بيوتهم.اليوم، يقف بعضهم أمام الحياة كما يقف الغريب أمام مدينةٍ لا تعترف به. راتبٌ تقاعديٌّ يتآكل قبل منتصف الشهر، ودواءٌ يبتلع نصف ما تبقى، وأسعارٌ تتسلق بلا رحمة فوق قدرة الاحتمال، حتى صار الخبز نفسه سؤالاً يومياً لا إجابة له، وصارت الطمأنينة ترفاً بعيد المنال.رجلٌ أنهكته سنوات الخدمة، يقف بين رفوف الصيدلية لا يبحث عن علاجٍ بقدر ما يبحث عن نجاةٍ مؤجلة، وأمٌّ كانت يوماً تصنع أجيال التعليم، تساوم أثاث بيتها كي تبقي زوجها على قيد الألم لا على قيد الموت. مشاهد صغيرة في ظاهرها، لكنها في عمقها تختصر سؤال الدولة كلها: كيف يُكافأ من أفنى عمره في بنائها بهذا القدر من الصمت؟
إننا لا نكتب من باب العاطفة المجردة، بل من باب السؤال الفلسفي المؤلم: هل تُقاس قيمة الإنسان بسنوات عطائه فقط، أم بمدى ما تبقى له من كرامة بعد أن يُحال إلى التقاعد؟
وإن كانت الدولة تُبنى بسواعد أبنائها، فبأي منطق تُترك تلك السواعد حين تضعف؟
يا رئيس الوزراء العراقي…
لسنا أمام خطابٍ سياسي، بل أمام نداءٍ إنسانيٍّ خالص. نداءٌ لا يطلب امتيازاً، ولا يبحث عن استثناء، بل يطلب عدالةً تأخرت كثيراً حتى كادت تتحول إلى وعدٍ رماديٍّ في ذاكرة الانتظار.
لقد رأى هؤلاء الناس وجوه المسؤولين في مناسباتٍ عديدة، وسمعوا خطاباتٍ عن التنمية والإصلاح، لكنهم لم يجدوا أنفسهم يوماً على طاولة تلك الخطابات، وكأنهم خارج دائرة الحضور، رغم أنهم داخل قلب الدولة منذ أول يومٍ تأسست فيه.إننا لا نطالب بمعجزة، بل بلحظة إنصاف. بلقاءٍ يُعيد تعريف العلاقة بين الدولة وأبنائها الذين خدموها حتى آخر رمق. لقاءٍ يُقال فيه بصوتٍ واضح: إن التقاعد ليس نهاية مواطنة، بل بداية مسؤوليةٍ أخرى على الدولة تجاه من صنعوا أساسها.اجلس معهم لا بوصفهم شريحةً إحصائية، بل بوصفهم ذاكرة حيّة لوطنٍ لا يجوز أن يُنسى فيه من بنى صمته قبل صخبه. استمع إليهم لا كشكوى، بل كشهادة تاريخٍ على زمنٍ لم يكن سهلاً، لكنهم مرّوا به ليبقى هذا البلد واقفاً.إنهم لا يطرقون أبواب الرفاه، بل أبواب البقاء… ولا يطلبون أكثر من أن يعيشوا ما تبقى من أعمارهم بكرامةٍ لا تساومهم على الدواء ولا على لقمة الخبز.التقِ بهم قبل أن تتحول وجوههم إلى صورٍ في أرشيف الغياب، وقبل أن يصبح انتظارهم الطويل مجرد سطرٍ أخير في حكاية وطنٍ لم يُنصف كل أبنائه بعد.فهم ليسوا الماضي وحده…بل هم الضمير الذي ما زال يطرق باب الحاضر بصمت.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |