من الانشقاق إلى إعادة إنتاج اليقين قراءة في ورقة -من نحن وماذا نريد؟- لمجموعة المناضلة الاشتراكية

سعد بن علال
2026 / 6 / 4

ليست كل ولادة جديدة بداية جديدة.
في التاريخ السياسي، كثيرا ما تولد التنظيمات من رحم الأزمات والانشقاقات والصراعات الحادة، معلنة القطيعة مع تجارب سابقة، ومبشرة بأفق مختلف. غير أن التجربة التاريخية تظهر أن تغيير الأسماء والهياكل لا يعني بالضرورة حدوث قطيعة فكرية حقيقية. فالماضي لا يترك دائما خلفنا، بل كثيرا ما يعاد حمله داخل اللغة الجديدة، داخل المفاهيم ذاتها، وأحيانا داخل اليقين نفسه الذي قاد إلى الأزمة الأولى.
من هنا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يوجه إلى ورقة "من نحن وماذا نريد؟" لا يتعلق فقط بموقعها التنظيمي أو نواياها السياسية، بل بطبيعة الأساس النظري الذي تنهض عليه: هل نحن أمام مراجعة فكرية فعلية أم أمام إعادة إنتاج لأفق فكري مألوف داخل غلاف جديد؟

حين تبدأ الإجابة قبل السؤال
تنطلق الوثيقة من مسلمة مركزية: الرأسمالية نظام تاريخي مأزوم، وأن البديل الضروري هو الاشتراكية الثورية والأممية.
ولا شك أن تشخيص أزمة الرأسمالية يجد ما يسنده في الواقع المعاصر: اتساع الفوارق الاجتماعية، هشاشة العمل، تدمير البيئة، الحروب، وتوسع منطق السلع إلى مجالات الحياة كافة.
لكن المشكلة لا تبدأ في التشخيص، بل في الانتقال السريع منه إلى جواب يبدو جاهزا مسبقا.
فبين تحليل الأزمة وتحديد البديل توجد مساحة كاملة من التاريخ والنقاش والتجربة، لا يمكن اختزالها في استنتاج خطي. إن إحدى أكبر إشكاليات التقليد الاشتراكي الثوري في القرن العشرين كانت هذا الميل إلى تحويل الفرضيات النظرية إلى يقينيات مكتملة، بحيث يصبح دور النظرية ليس مساءلة الواقع، بل تأكيد الإجابة مسبقا عليه.
وهنا تحديدا يتحول الفكر من أداة نقد إلى منظومة مغلقة.

هل تكفي الطبقة لفهم العالم؟
لا يمكن إنكار مركزية الصراع الطبقي في فهم الرأسمالية. فهو أحد أعمدة التحليل الاجتماعي الحديث، وأداة لا غنى عنها لفهم آليات الاستغلال.
لكن الإشكال يبدأ حين يتحول هذا المدخل إلى تفسير وحيد للعالم.
فالواقع الإنساني أكثر تركيبا من أن يختزل في تناقض اقتصادي واحد، مهما كانت أهميته.
الإنسان لا يعيش فقط كعامل داخل منظومة إنتاج، بل ككائن متعدد الانتماءات: جنس، لغة، ثقافة، ذاكرة، موقع اجتماعي، وتجارب يومية معقدة تتقاطع فيها أشكال مختلفة من السلطة.
ـ النساء اللواتي يواجهن العنف لا يعشنه فقط كتعبير مباشر عن الاقتصاد.
- الشعوب التي تناضل من أجل لغتها وهويتها لا تختزل مطالبها في تحسين شروط العمل.
- الأزمة البيئية لم تعد مجرد مسألة توزيع ثروة، بل سؤال وجودي حول علاقة الإنسان بالطبيعة.
إن الصراع الطبقي يظل مفتاحا أساسيا للفهم، لكنه ليس المفتاح الوحيد.

مأزق الطليعة وإشكالية الحقيقة
تستبطن الوثيقة، رغم خطابها التحرري، تصورا كلاسيكيا لدور الطليعة السياسية بوصفها الجهة الأكثر قدرة على إدراك اتجاه التاريخ وتمثيل مصالح المضطهدين.
وهنا يبرز سؤال قديم لم تحسمه التجربة الاشتراكية:
من يحدد الوعي الصحيح؟ ومن يملك سلطة تعريف مصالح الجماهير؟ ومن يقرر متى تكون مطالب الناس تعبيرا عن وعي حقيقي أو عن وعي زائف؟
هذه ليست أسئلة تقنية، بل تمس جوهر الديمقراطية السياسية.
فكل تصور يمنح تنظيما أو نخبة سياسية حق احتكار تفسير الواقع يحمل داخله إمكانية إنتاج وصاية، حتى حين يعلن العكس.
إن المشكلة ليست في وجود تنظيم سياسي، بل في العلاقة بين التنظيم والحقيقة: هل يمتلكها، أم يسعى لفهمها مع الآخرين؟

هل ما زلنا نعيش في العالم نفسه؟
تستند الوثيقة إلى مفاهيم تشكلت داخل سياق تاريخي محدد: حزب جماهيري، طبقة عاملة مركزية، مركزية تنظيمية، برنامج ثوري متكامل، وانتقال خطي من النضال إلى الثورة.
لكن العالم الذي ولدت فيه هذه المفاهيم لم يعد هو نفسه.
فبنية العمل تغيرت جذريا، وتراجعت الأشكال الكلاسيكية للتنظيم العمالي، وظهرت أنماط جديدة من الهشاشة والعمل غير المستقر، وأصبحت الرقمنة والاقتصاد المنصاتي جزءا مركزيا من إعادة تشكيل الاجتماع.
في المقابل، صعدت حركات اجتماعية لا تختزل في البنية الطبقية التقليدية: حركات نسوية، بيئية، ثقافية، وهووياتية.
إن السؤال لم يعد فقط كيف نطبق أدوات قديمة على واقع جديد، بل هل ما زالت تلك الأدوات صالحة لفهم هذا الواقع أصلا؟

الحزب بين التنظيم والانغلاق
يمثل الحزب الثوري أحد أهم إنجازات الحركة الاشتراكية التاريخية، بوصفه أداة لتنظيم الصراع وبناء الفعل السياسي الجماعي.
لكن التجربة التاريخية نفسها تكشف أن هذا الشكل التنظيمي يحمل توترا دائما بين الفعالية والديمقراطية، بين المركزية والانفتاح.
فكلما ازدادت المركزية، ازداد خطر تحول التنظيم إلى بنية مغلقة تنتج خطابها الخاص عن الواقع، بدلا من أن تنخرط فيه.
وهنا لا يتعلق الأمر بالنيات، بل بمنطق مؤسساتي يعيد إنتاج نفسه.
إن السؤال المطروح اليوم لا يتعلق فقط بكيفية بناء حزب أقوى، بل بكيفية بناء أشكال تنظيمية قادرة على الجمع بين الاستمرارية والديمقراطية، بين الاستراتيجية والتعدد، بين الفعل والانفتاح على الحركة الاجتماعية.

البرنامج الانتقالي وحدود الخطية التاريخية
تفترض بعض الأدبيات الكلاسيكية وجود مسار شبه مباشر بين المطالب اليومية والتحول الثوري عبر ما يسمى بالبرنامج الانتقالي.
لكن التجربة التاريخية أظهرت أن العلاقة بين الإصلاح والتحول أكثر تعقيدا من هذا التصور.
فالحركات الاجتماعية لا تتحرك دائما وفق منطق خطي، بل تنتج أشكالا غير متوقعة من الفعل السياسي، وقد تنحرف مساراتها أو تتعدد نتائجها.
لذلك فإن التحدي ليس فقط "قيادة النضالات"، بل فهم النضالات نفسها كفضاء لإنتاج المعرفة السياسية، لا مجرد مادة خام توجه نحو نتيجة مسبقة.

الاشتراكية كإشكال مفتوح لا كإجابة نهائية
تكمن إحدى الإشكاليات العميقة في الخطاب الثوري التقليدي في التعامل مع الاشتراكية كحل مكتمل المعالم. بينما الواقع التاريخي يطرح أسئلة لم تحسم بعد: كيف يمكن الجمع بين التخطيط والديمقراطية؟ ما حدود الدولة في مجتمع ما بعد رأسمالي؟ كيف يمكن منع البيروقراطية؟ كيف تمارس الديمقراطية الاقتصادية فعليا؟ كيف نحمي التعدد داخل مشروع تغييري جذري؟.
هذه الأسئلة ليست تفصيلية، بل هي جزء من تعريف الاشتراكية نفسها.

ما بعد اليقين: نحو يسار أكثر تواضعا
لا تكمن الأزمة في امتلاك قناعات سياسية، بل في تحويل هذه القناعات إلى يقين مغلق لا يسمح بمساءلة نفسه.
فكل مشروع تحرري يحتاج إلى درجة من الالتزام، لكنه يحتاج أيضا إلى قدرة مستمرة على النقد والمراجعة.
إن التحرر لا يختزل في امتلاك الحقيقة، بل في بناء فضاء يسمح بتعدد طرق البحث عنها.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي الذي تطرحه وثيقة "من نحن وماذا نريد؟" ليس فقط حول مضمونها السياسي، بل حول قدرتها على مواجهة أسئلتها الخاصة:
ما الذي تم تعلمه من الأزمة السابقة؟ ما الذي تم تغييره في أدوات الفهم والتنظيم؟ وما الذي لا يزال بحاجة إلى مساءلة؟

فبدون هذه المراجعة، يصبح الانشقاق مجرد إعادة تموضع داخل أفق قديم، حتى وإن ارتدى لغة جديدة.

إن قوة أي تجربة سياسية لا تقاس بصلابة يقينها، بل بقدرتها على تحمل السؤال.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن