|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

حامد الضبياني
2026 / 6 / 4
ثمة مفارقات لا تستطيع الفلسفة تفسيرها إلا إذا استعارت من الكوميديا السوداء أدواتها، والعراق يبدو اليوم وكأنه أعظم هذه المفارقات على الإطلاق. بلد يجلس فوق بحر من النفط، لكنه يقف في طوابير البنزين كما يقف العطشان أمام صورة نهر معلقة على الجدار. وطن يطفو على خزائن الطاقة، لكنه يبحث كل صباح عن بضعة لترات من الوقود كما يبحث المنفي عن عنوان بيته القديم بين الخرائب.لقد أصبح العراقي يعيش في تجربة فكرية نادرة، تجربة تثبت أن كثرة النعمة لا تعني وجودها، وأن الثروة قد تتحول إلى شكل آخر من أشكال الفقر عندما تتولى إدارتها عبقرية الفشل المزمن. فالعراق الذي كان يبيع الوقود بأسعار تكاد تكون رمزية، أصبح المواطن فيه يتابع أخبار البنزين كما يتابع أخبار الكسوف والخسوف والكوارث الطبيعية، مترقباً بياناً يطمئنه بأن سيارته لن تدخل في إضراب قسري بسبب غياب الوقود.
في بلاد أخرى تنشأ الأزمات لأن الموارد قليلة، أما هنا فالأزمات تنشأ لأن الموارد كثيرة. النفط موجود، والآبار موجودة، والحقول موجودة، والأنابيب موجودة، والموازنات الانفجارية موجودة، والمليارات موجودة، لكن المنتج النهائي يختفي بطريقة سحرية تجعل المرء يعتقد أن هناك جنياً متخصصاً بابتلاع المنجزات قبل وصولها إلى المواطن.
وكلما ظهرت أزمة جديدة خرجت علينا جوقة الإنجازات القديمة تعزف لحن الاكتفاء الذاتي الذي ظل يتردد سنوات طويلة حتى أصبح أشبه بالأغنية الوطنية غير الرسمية لقطاع النفط. اكتفاء ذاتي على الورق، وعجز ذاتي على الأرض. أرقام تبتسم في المؤتمرات الصحفية بينما السيارات تتثاءب أمام المحطات في الشوارع. بيانات تتحدث عن الوفرة، وواقع يتحدث عن الندرة، وكأن المواطن يعيش في بلدين مختلفين؛ عراق التلفاز وعراق الحقيقة.المشكلة ليست في البنزين وحده، بل في الفلسفة التي تدير البنزين. فلسفة تقوم على إعلان النصر قبل بدء المعركة، وعلى قص شريط الإنجاز قبل بناء المشروع، وعلى صناعة صورة جميلة للمستقبل مع إهمال الحاضر حتى يتحول إلى حطام. وهكذا اكتشف العراقي أن المليارات التي أنفقت على مشاريع التكرير تشبه إلى حد بعيد قصور الرمال على الشواطئ؛ تبدو عظيمة من بعيد لكنها لا تحتمل أول موجة اختبار.إن أكثر ما يثير الضحك المبكي أن العراق، صاحب أحد أكبر الاحتياطيات النفطية في العالم، أصبح يستورد البنزين لمعالجة نقص البنزين. وكأن البستاني يشتري التفاح من السوق وهو نائم وسط بستانه. وكأن صاحب النهر يشتري الماء بالقناني. وكأن راعي الأغنام يشتري الصوف من الجيران. إنها عبقرية سياسية واقتصادية تستحق أن تُدرّس في كليات اللامعقول تحت عنوان: كيف تخسر وأنت تملك كل أسباب الفوز.لقد تحولت الدولة في كثير من الأحيان إلى خبير محترف في إدارة النتائج لا الأسباب. فعندما تظهر الأزمة تبدأ مطاردة المحتكرين والمضاربين والتجار الصغار، بينما تبقى الأسئلة الكبرى معلقة في سقف المشهد مثل مصابيح معطلة. أين ذهبت الأموال؟ ولماذا تعثرت المشاريع؟ وكيف تحولت التريليونات إلى أعذار؟ ولماذا ما زال العراقي يدفع ثمن الأخطاء ذاتها جيلاً بعد جيل؟
الفيلسوف الإغريقي ديوجين كان يحمل مصباحه نهاراً بحثاً عن الإنسان الصادق، أما العراقي اليوم فيستطيع أن يحمل مصباحاً نفطياً بحثاً عن منجز حقيقي وسط غابة التصريحات. وكلما اقترب من الإجابة وجد مؤتمراً صحفياً جديداً يعده بأن الأزمة تحت السيطرة، وأن الحل قريب، وأن المستقبل مشرق، حتى أصبح المستقبل نفسه يشعر بالحرج من كثرة ما استُخدم لتبرير الحاضر.إن أزمة البنزين ليست أزمة وقود بقدر ما هي أزمة معنى. إنها مرآة تعكس مأساة بلد يمتلك الثروة ويستورد نتائجها، وينتج النفط ويستورد مشتقاته، ويرفع شعارات الاكتفاء بينما يبحث عن حلول إسعافية كل بضعة أشهر. إنها قصة طويلة من التخطيط المؤجل، والوعود المعجلة، والمشاريع التي تكبر في البيانات أكثر مما تكبر على الأرض.
وهكذا يقف العراقي أمام محطة الوقود متأملاً أعظم مفارقات العصر: بلاد تسبح فوق بحار النفط لكنها تخشى العطش، ودولة تملك مفاتيح الطاقة لكنها تتعثر عند باب البنزين، وشعباً لا تنقصه الثروات بل تنقصه الإدارة التي تعرف كيف تحول الثروة إلى خدمة لا إلى خطب، وإلى واقع لا إلى دعاية، وإلى وقود في خزانات الناس لا إلى أرقام تائهة في دفاتر المسؤولين.وفي النهاية لا يبقى أمام المواطن سوى أن يبتسم تلك الابتسامة العراقية الحزينة، الابتسامة التي تشبه البكاء وهو يرتدي قناع الضحك، ثم يردد ساخراً: ربما يأتي يوم يصبح فيه النفط متوافراً في العراق كما هو متوافر في بقية دول العالم.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |