|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

عبدالله عطوي الطوالبة
2026 / 6 / 4
ة
تنتشر التاوية في الصين، واليابان، وسنغافورة، وفيتنام، وماليزيا، وكوريا. وقد اكتسبت اسمها من كلمة "التاو"، وتعني السبيل أو الطريق في اللغة الصينية. وتشارك التاوية الكونفوشية، في النشأة على أرضية اضطرابات وتغيرات اقتصادية واجتماعية شهدتها في مرحلة الدول المتصارعة في الصين. ولكن اذا كانت الكونفوشية ديانة الدولة والأخلاق والسلوك الاجتماعي، فان التاوية ديانة التصوف، ذات الأصول الأقرب إلى الديانة الشعبية عند الصينيين القدماء.
ونظرًا لظروف النشأة المُشار اليها قبل قليل، تركَّز أهم أهداف التاوية على تعزيز الانسجام بين المجتمع والفرد، بتحديد مصدر الشر والمعاناة المغذِّيَين للجشع والمتسببين بالصراع.
يرى أتباع التاوية أن الأنظمة والمعايير الأخلاقية لا تكفي لتنظيم العمل البشري، ولا بد لتحقيق ذلك من أن يعيش المرءُ الحياة وفقًا لقوانينها الطبيعية. على هذا الأساس، ترتبط العواقب بالأفعال الأخلاقية وتكون النتيجة السعادة أو الشقاء.
عاش مؤسس التاوية "لاو تزو" في القرن السادس قبل الميلاد، ووضع كتاب التاوية الرئيس "طاو- تي- تشينغ". يتمحور الكتاب حول تنمية الذات، والتغيير الاجتماعي. ومن الأفكار المحورية المتضمنة فيه، الدعوة إلى اتباع البساطة والنهج الطبيعي في الحياة.
في القرن الرابع قبل الميلاد، انتشرت تعاليم التاوية على يد "جوانغ- زي"، الذي عاب على الحياة الاصطناعية المبتكرة من البشر، تسببها بالمعاناة بخلقها الرغبة والجشع.
وقد عُرفت النصوص الصينية المتعلقة بالتاوية بتعاليم "جوانغ- زي"، حيث جُمعت في أواخر عهد أسرة مينغ (1368- 1644م). تدعو هذه النصوص إلى تأمل العالم الطبيعي، وتؤكد أن البشر طيبون بالفطرة. لكنهم مع ذلك بحاجة لتذكيرهم بذلك، لحفزهم دائمًا على التمسك بالفضيلة. لا يوجد سيؤون، إلا من قرر أن تكون تصرفاته سيئة. ويمكن لأي شخص أن يكون صالحًا، بالتعليم والتوجيه المناسبين.
تقوم العقيدة التاوية على أن التاو طريق القوة الغامضة، وهو، أي التاو، بلا حدود ومصدر للوجود والأشياء لا ينضب. التاو مبدأ نهائي، يتأسس عليه الوجود والجوهر. ولكي يعيش الانسان حياة هادئة متناغمة، فشرط ذلك أن يحيا وفقًا للتاو.
التاو، كما جاء في الفصل الأول من كتاب "تاو- تي- تشنغ" مُنزَّه عن أن يكون له خالق، يُبدِّلُ كل شيء ولا مُبدِّل له. هو الخالق، والموجودات ابداعه، والتغيير قضاؤه. وهو التلقائية الشاملة لجميع الأشياء، وكل شيء من ذات نفسه.
وفي الاجابة بخصوص أصل الكون، تقدم التاوية مفهومي ال"ين" وال"يانغ". وهما بحسبها قوتا طاقة متضادتين، وموجودتين في كل شيء. الأول، باللون الأسود ويرمز للطاقة الأنثوية المغذية للتنسيق والداعمة له. والثاني، باللون الأبيض ويرمز للطاقة الذكورية المحفزة للخلق. ولا وجود لأي من قُوَّتي الطاقة هاتين دون الثانية. توازنهما أساسي لصحة الانسان، وسلامة الأرض والكون.
الين صارم بارد، واليانغ مشرق دافيء. صرامة الين وبرودته تجيء من قلب السماء. ومن قلب الأرض، ينبثق دفء اليانغ. كل من الين واليانغ موجود داخل الاخر، بتفاعلهما وتناغمهما تظهر الحياة.
وتقدم التاوية أيضًا مفهوم ال"وو" و "وي"، ويعني اللافعل. من خلاله، تدعو إلى عدم بذل جهد مبالغ به لتغيير الأحداث المُقدَّرَة. ويستبطن هذا المفهوم أيضًا دعوة التاوية إلى حياة ناعمة منسجمة مع طبيعة الأحداث والأشياء، تجسدها قاعدة السير مع تدفق المياه وليس عكس التيار. وعليه، فإن مقاومة التاو تسبب الاضطراب لمن يُقدم عليها. والطريقة الأفضل لعيش الانسان، التحلي بالمرونة والرضى بما تجلبه الحياة. فالتكيف مع تغيرات الحياة يجلب السعادة، ونقيضه يستدعي التعاسة.
الرحمة، والبساطة، والتواضع، فضائل الأخلاق الثلاث في التاوية. التواضع أكثرها أهمية، فبه يكون المرء أقرب إلى التاو. وتحض التاوية على التواضع المطلق، والنأي عن الأنانية.
أما الآلهة التاوية فأهمها ثلاثة، يتصدرها "المستحق السماوي لبداية التاوي"، خالق كل شيء من طاقة بدائية، وهو أقرب إلى مفهوم الله في الشرق. ويليه "مستحق الكنز السماوي"، مصدر المعرفة والكتاب المقدس. والثالث، "لاو تزو"، المُؤلَّه. وعلى خمسة جبال مقدسة يُعتقد أنها تحمل قبة السماء، تُقدم القرابين للآلهة. وهناك اعتقاد بوجود آلهة وأرواح مختلفة وخالدين، على كل من هذه الجبال.
ويلفت النظر علاقات الترابط بين الديانات المنتشرة في الصين، حيث يمكن للفرد ممارسة الكونفوشية والتاوية والبوذية في وقت واحد، حيث يتجسد ذلك في المعابد التاوية وطقوسها المتأثرة بالممارسات الكونفوشية والبوذية. كما تتشابه المعابد في الديانات الثلاث، فالمعبد التاوي يمكن أن يضم نُصبًا ومجسمات لكونفوشيوس وبوذا ولاو تزو.
وبشأن طقوس التاوية وعباداتها، فتنقسم إلى نوعين، الأول فلسفي يتمحور حول المعرفة التي تُمكِّن الأتباع من الحياة في وئام مع التاو بواسطة ال"وو" وال"وي". والنوع الثاني ديني، يتركز على الصحة وطول العمر في الحياة والخلود في الآخرة. ويرتبط بممارسة أنشطة بدنية تتغيَّا احراز الانسجام مع التاو، مثل الجمباز وتهدئة الجسد من خلال التحكم في التنفس والتنفس الجنيني، أي تنفس الطفل داخل الرحم.
وتؤمن التاوية بالحياة بعد الموت، ومن الباحثين من يُرجع ذلك إلى تأثرها بالبوذية.
بلغت التاوية ذروتها في عهد أسرة "سوي"(501- 618م)، وبداية عهد أسرة "تانج"(618- 907م). بعد ذلك، بدأ انحدارها الطويل حتى الاحتضار في العصور الحديثة. (يتبع)
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |