|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

عماد حسب الرسول الطيب
2026 / 6 / 2
بعد اثني عشر مقالاً، قطعت هذه السلسلة شوطاً طويلاً. بدأت من أوموفيا، تلك القرية الخيالية التي كتب عنها تشينوا أتشيبي قبل أكثر من ستة عقود، وحللت كيف أن أوراكلها لم يكن مجرد طقس ديني بل جهازاً أيديولوجياً أنتج الهزيمة قبل أن يأتي المستعمر. ثم انتقلت إلى السودان الراهن، فرأت كيف تعددت الأوراكل: القبلية المسلحة، التكفير السياسي، الكجور الذي يبارك الحصاد بينما الجياع يموتون، الطرق الصوفية التي تتأرجح بين المقاومة والإذعان، الإصلاحيون الذين يفاوضون باسم الشعب دون تفويض، و"صمود" التي تبحث عن شركاء عسكريين جدد لإعادة إنتاج نموذج 2019-2021. حللت غياب الطبقة الثورية وتبين أنه ليس قدراً بل أكبر انتصار للأوراكل. ثم اقترحت الطليعة الشبكية كتنظيم للممارسة لا كحزب طليعي، وأجابت عن سؤال "لماذا أوموفيا؟" دفاعاً عن منهجيتها. والآن، في هذه الخاتمة، لا مجال لتلخيص ما سبق، بل لمواجهة السؤال الذي طارد هذه السلسلة طوال الوقت: وهذه السلسلة نفسها، أليست أوراكل جديداً؟
الإجابة المباشرة: لا، هذه السلسلة ليست أوراكل. لكن ليس لأنها أفضل أو أذكى، بل لأنها ترفض أن تكون. الأوراكل يتميز بصفات محددة: يحتكر الحقيقة ويغلق باب السؤال، يطلب الولاء دون نقد، يقدم نفسه كحل نهائي، يخاف من التجريب والخطأ، يعتمد على وسيط لا غنى عنه، ويتكلم باسم آخرين دون تفويض. هذه السلسلة، على نقيض ذلك، تفتح باب السؤال بل تدعو إلى تفكيكها، لا تطلب تصديقاً بل تفكيراً نقدياً، لا تقدم حلولاً جاهزة بل أدوات تحليلية قابلة للتجريب، تعترف بحدودها وقصورها واحتمال خطئها، وتريد أن تصبح غير ضرورية حين يبني القراء تنظيماتهم بأنفسهم. الفرق ليس في المحتوى فقط، بل في شكل تقديم المحتوى والعلاقة مع القارئ. هذه السلسلة تكتب من موقع مؤقت، غير نهائي، قابل للمراجعة. الأوراكل يكتب من موقع الأبدية. لم تقل السلسلة قط "هذه هي الحقيقة"، بل قالت "هذا ما نراه، فانظر أنت أيضاً، وناقش، وجرب، واصنع خطأك ثم صححه".
لكن الاعتراف بهذا الفرق وحده لا يكفي، بل قد يصبح طقساً تطهيرياً يريح الضمير ويعفي من الفعل. لذلك يجب أن نذهب أبعد: الاعتراف وحده لا يحل التناقض، بل تجاوزه. هذه السلسلة كُتبت من مواقع بعيدة: في الغرب، في المهاجر، في غرفة آمنة نسبياً. لا تواجه القصف يومياً، ولا تنام على جوع، ولا تفقد أطفالها تحت الأنقاض. تكتب بلغة أكاديمية متقنة، وتستخدم مصطلحات مثل "الوعي الزائف" و"الهيمنة الغرامشية" و"فائض القيمة"، وتفترض أن من يقرأها يفهم هذه المصطلحات أو على الأقل يحترمها. ثم تختم كل مقال بعبارة "النضال مستمر"، كما لو أنها تقاتل. هذا التناقض لا يُحل بالاعتراف به فقط، بل بمحاولة تجاوزه عملياً: بأن تكون هذه الكتابة متصلة بتنظيم قائم، ولو بعلاقة هشة، وأن تترجم إلى مادة نقاش في لجان المقاومة، لا إلى استهلاك نخبوي، وأن يسأل كل قارئ نفسه سؤالاً واحداً لا فلسفياً: إلى أي لجنة أو شبكة أو مجموعة تنظيمية أنتمي اليوم؟ إن كانت الإجابة "لا شيء"، فالقارئ جزء من المشكلة بغض النظر عن جودة تحليل هذه السلسلة. هذه السلسلة لن تحل محله، ولن تعفيه من المسؤولية. هي مجرد إضاءة في زاوية مظلمة، والباقي عليه.
طوال السلسلة، تحدثت عن بذور الوعي الثوري في السودان. هي موجودة حقاً، وتنمو بأشكال متفاوتة. في لجان المقاومة التي تدير الإغاثة والتعليم والصحة رغم القصف. في شبكات النساء في المخيمات التي تنظم توزيع المساعدات وتضميد الجراح. في التعاونيات الزراعية الناشئة في الريف. في المبادرات الشبابية لتوثيق الانتهاكات وفضح شبكات الذهب. في النقابات المهنية التي تحاول إعادة بناء نفسها. وحتى في بعض الطرق الصوفية حين تتحول زواياها إلى ملاجئ وشبكات إغاثة. هذه البذور ليست مثالية، وقد تتحول بعضها إلى أوراكل جديد (لجنة تصبح إمارة نفوذ، نقابة تتحول إلى منصة تفاوض مع العسكر)، لكنها موجودة. وهي وحدها القادرة على تجاوز الأوراكل عملياً، ليس بتطبيق نظرية جاهزة، بل بممارسة يومية تثبت أن البديل ممكن. هذه السلسلة لا تصنع هذه البذور، ولا تستطيع أن تحل محلها. أقصى ما يمكنها فعله هو أن تساعد في توضيح رؤية من يزرعونها، وأن تنبههم إلى المخاطر التي تهدد تحولها إلى أوراكل جديد.
الوعي الثوري موجود أيضاً في شقوق الأوراكل نفسه. ليس لأن الأوراكل يحمل بذور تحوله، بل لأن التناقض بين وعده وواقعه يخلق فجوات يمكن للوعي الجديد أن ينمو فيها. الكجور الذي قاد ثورة النوير ضد البريطانيين في عشرينيات القرن الماضي لم يكن أقل خرافة من غيره، لكنه تحول إلى قائد مقاومة مادية حين قال لأتباعه "البريطانيون يسرقون أبقارنا". الشيخ الصوفي الذي تتحول زاويته إلى مركز إغاثة يعبر الحدود القبلية، يمارس وعياً ثورياً دون أن يتوقف عن كونه شيخاً. القبيلة التي تتحول من أداة تفريق إلى وعاء حماية في لحظات الانهيار، تكشف أن هويتها ليست ثابتة. البذور ليست في الأوراكل، بل في حاجة الناس إلى تفسير لا يستطيع الأوراكل تقديمه بعد الآن، وفي قدرتهم على ابتكار ممارسات جديدة تتجاوزه. هذه البذور هي ما يجب أن نراهن عليه، لا على الأوراكل نفسه. وهذه السلسلة راهنت عليها، ليس لأنها ساذجة، بل لأنها ترى أن كل فجوة في جدار الأوراكل هي نافذة يمكن أن يدخل منها الضوء.
هذه السلسلة لا تنتهي بنقطة، بل بعلامة استفهام مفتوحة على العمل. الخاتمة الحقيقية ليست هنا، بل في الشارع، في المخيم، في اجتماع اللجنة، في الممر الإنساني. لا يمكن لهذه السلسلة أن تختم بخلاصات نظرية جديدة، لأنها قدمت ما تستطيع في المقالات السابقة. ما يمكنها فعله هو أن تترك القارئ مع أسئلة لم تجب عليها، لأن إجاباتها لا تُكتب بل تُعاش. كيف نبني تنظيماً أفقياً لا يتحول إلى أوراكل جديد؟ كيف نمنع تحول لجان المقاومة إلى إمارات نفوذ محلية؟ كيف نضمن أن تكون النساء قائدات في التنظيم لا خادمات له؟ كيف نربط بين المطالب الفورية (خبز، دواء، ممرات) والأهداف الاستراتيجية (تأميم الذهب، توزيع الأرض، دولة العدالة الاجتماعية)؟ كيف نكتب من البعد دون أن نصبح جزءاً من الأوراكل الذي ننقده؟ لا إجابات جاهزة. التجريب، النقد الذاتي، التعلم من الخطأ، والجرأة على تغيير المسار حين نخطئ. هذه هي الطريقة الوحيدة لكسر الأوراكل: لا باستبداله بأوراكل جديد، بل ببناء ممارسة دائمة للشك والتنظيم والمراجعة.
لن تكرر هذه السلسلة هنا شعار "النضال مستمر،،" كطقس ختامي. النضال مستمر رغم هذه السلسلة، لا بسببها. إذا كانت السلسلة قد ساهمت في توضيح رؤية قارئ واحد، أو دفعته للانخراط في تنظيم ما، فهذا جيد. لكن لا ينبغي المبالغة في أهميتها. الأهم هو ما سيحدث بعد إغلاق هذه الصفحة. هناك، حيث يوزع الخبز ويضمّد الجرحى وتفتح الممرات، هناك فقط يبدأ القضاء على الأوراكل الحقيقي. كل شيء آخر هو كلام، وهذا الكلام نفسه قد يصبح أوراكل إن ظن قارئه أنه بديل عن الفعل. أوموفيا انهارت لأن فقراءها ظنوا أن الأوراكل كافٍ. السودان لن ينهار إن أدرك فقراؤه أنهم لا يحتاجون إلى وسيط، وأن التنظيم الأفقي ممكن، وأن كل رغيف خبز يوزع بعدل هو نصر صغير، وأن كل شبكة تتسع لعضو جديد هي خطوة نحو جعل الأوراكل غير ذي موضوع.
هذه السلسلة ليست أوراكل. لا تطلب من القارئ أن يصدقها. تطلب منه أن يفكر بنفسه، وينظم مع غيره، ويختبر أفكارها في الممارسة، ويحرق ما ثبت خطؤه. الثورة تبدأ حين يدرك المرء أنه لا يحتاج إلى وسيط. السلسلة أداة. الأدوات تُكسر وتُصنع من جديد. المهم ليس الأداة، بل من يمسك بها ولماذا.
النضال مستمر،،
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |