|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

احمد كانون
2026 / 6 / 2
ما بعد الليبرالية: نهاية عصر السيولة وبداية إعادة التمركز:
لطالما سادت الليبرالية كـ "سردية كبرى" (Meta-narrative) حكمت العالم، واعدةً بإنسانٍ حر، وسوقٍ كفؤ، وتقدمٍ لا يتوقف. لكننا اليوم نلمس اهتزاز أركان هذا "النسق"، ليس كفشلٍ تقني، بل كتحولٍ بنيوي في "النسق الضمني" الذي يُشكل وعي الحضارة المعاصرة.
الليبرالية كـ "فخ السيولة" (تفكيك دريدا):
من منظور تفكيكي، ندرك أن الليبرالية قامت على ثنائياتٍ استعلائية (فرد/جماعة، حرية/سلطة). لقد نجحت الليبرالية في تفكيك الروابط التقليدية، لكنها وقعت في فخ "السيولة المطلقة" التي جعلت الفرد كائناً ذرياً معزولاً. إن ما نشهده اليوم من صعود للقوميات والنزعات المحلية هو "رد فعلٍ وجودي"؛ محاولةٌ لإعادة بناء جدارٍ يحمي الإنسان من ذوبان الهوية في بحرِ العالم المفتوح.
السلطة الحيوية والرقابة الناعمة (رؤية فوكو):
يرى ميشيل فوكو أن الليبرالية لم تكن يوماً "تحريراً" خالصاً، بل كانت انتقالاً من السلطة القمعية (السيادة) إلى "السلطة الحيوية" (Biopower)؛ حيث تُمارس السيطرة عبر إدارة البيانات، الخوارزميات، والتقنية. ما بعد الليبرالية تكشف هذا القناع؛ فالدولة اليوم—تحت وطأة التعقيد—تستعيد دورها كمديرٍ صارم، حيث يُضحى بـ "الحرية الفردية" لصالح "الأمن السيبراني" و"الاستقرار الاقتصادي القومي". إننا ننتقل من "الرقابة الذاتية" إلى "الإدارة المؤسسية الشاملة".
نحو "الرأسمالية الموجهة" وتراجع السوق:
لم يعد السوق هو "المرجع الأعلى". لقد أدركت النخب، عبر "وكالتها الغريزية! "، أن السوق الحر بلا ضوابط هو وقودٌ لـ "الفوضى" التي تهدد استقرار النظام. لذا، نحن نتجه نحو "ما بعد الليبرالية" الاقتصادية:
السيادة الاقتصادية: أصبحت الدول تتدخل لحماية سلاسل الإمداد، وتوجيه التكنولوجيا، واعتبار الأمن القومي أولوية تتجاوز كفاءة السوق.
الخير العام: هناك إدراك بأن الحقوق الفردية المطلقة تتصادم مع ضرورة "التماسك الاجتماعي"، مما يدفع الدولة للعودة كفاعلٍ أخلاقي يوجه المجتمع نحو أهدافٍ جماعية.
حتمية الرشد: المسؤولية بدلاً من الحق:
إن ما بعد الليبرالية هي مرحلة الانتقال من عصر "الإنسان الذي يطالب بالحقوق" إلى عصر "الإنسان الذي يبحث عن المعنى والمسؤولية". لقد خلقت الليبرالية، بتمزيقها لمرجعيات المعنى، فراغاً روحياً يبحث اليوم عن ملئه؛ سواء في نيو-تقليديةٍ تدمج التراث بالتقنية، أو في أنظمة تكنوقراطية تفرض النظام كضرورةٍ للبقاء.
و في الخلاصة نحن لا نشهد انهياراً للفكر بقدر ما نشهد "إعادة تمركز". إن الليبرالية—التي بشرت بعالم بلا حدود—قد وصلت إلى حدودها القصوى. المرحلة القادمة ستكون أكثر صرامة، أكثر سيادية، وأكثر اهتماماً بـ "النسق" (الكل) على حساب "الجزء" (الفرد). إن نجاح الدول في هذه الحقبة لن يعتمد على مدى "ليبراليتها"، بل على قدرتها على صياغة "عقدٍ اجتماعي جديد" يوازن بين الضرورة التقنية والجوهر الروحي، ليحمي الأمة من التفتت في فوضى العالم المعقد.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |