محاولة لفهم التنين من خلال فلسفته والدين (2) من أعلام الكونفوشية

عبدالله عطوي الطوالبة
2026 / 5 / 31

تفرق تلاميذ كونفوشيوس السبعون بعد وفاته، وأنشأوا مدارس مختلفة في اطار الكونفوشية. وقد برز منهم اثنان، عملا على تطوير تعاليم فيلسوف الصين الأول، هما منسيوس وهسون تسو، على ما أنف بيانه.
حَمَلَ اسم منسيوس (390- 305 ق.م) أحد الكتب الأربعة من مصادر الكونفوشية، كما سبق أن ذكَرنا. وقد ركَّزَ اهتمامه على المُثُل العليا، وعلى وجه الخصوص العدالة الاقتصادية والاجتماعية للناس العاديين، أي الشعب. وبذلك انماز عن كونفوشيوس، الذي لم يقل عن الشعب إلا القليل.
يرى منسيوس أن أهم واجبات الأمير ضمان حقوق الشعب، فالسماء حارسته، تستاء وتغضب إذا عانى الناس.
وبذلك، فإن معيار الحكم الفاضل عند منسيوس خير الناس وسعادتهم. وعنده أيضًا "الذهن الثابت بلا معيشة ثابتة أمر مستحيل"، ويعني بذلك أن هدف الحكومة ينبغي أن يكون توفير ضرورات الحياة للناس بكميات كافية.
والحكم الصحيح بحسبه، يُضاده الحكم عن طريق القوة. وبذلك، أدخل منسيوس إلى الكونفوشية مبدأ الحكم بالفضيلة بدلًا من الحكم بالقوة.
أيَّدَ منسيوس التزامات الطاعة والولاء البنوي، تأسِّيًا بمعلمه كونفوشيوس. لكنه رفض الفكرة القائلة بأن على الناس أن يحبوا بعضهم بعضًا، من دون تمييز، وصرف النظر عن أولوية الحب للأسرة وللأمير. وبرأيه، فإن هذه الفكرة مدمرة للمشاعر الانسانية.
وتناول منسيوس موضوع الطبيعة البشرية ومصير الانسان، الذي لم يتحدث فيه كونفوشيوس. بمنظوره، الطبيعة البشرية خَيِّرة بالفطرة، بدليل احساس الناس بالتقارب وبالصواب والخطأ. البشر خيِّرون بفطرتهم، لكن تحقيق الخير مرتبط بمعرفة الذات وتهذيب النفس.
وقد واجهت الكونفوشية تحديًا جديًّا في زمن منسيوس من فلسفتين منافستين، الأولى، تعاليم يانج تشو وتمثل مذهب اللذة. والثانية، فلسفة موتسو وتعبر عن المنفعة.
لم يترك الفيلسوف الأبيقوري يانج تشو أية كتابات تتضمن رؤاه وأفكاره، ولا مصادر بهذا الخصوص غير اشارات الخصوم إليها. ومنها دعوته الناس الى الاهتمام بأنفسهم، والبحث عن كل ما من شأنه المحافظة عليها في أوقات المخاطر خاصة، والعناية بتكاملهم. ودعا إلى عدم الانشغال بالأمور المادية، أو ترك شيء رهينة القَدَر. باختصار، تركَّز اهتمام يانج تشو على اللذة وانقاذ الحياة الفردية.
أما موتسو المنافس الثاني لمنسيوس، فقد دعا إلى نبذ السلطة والسلف، واعتماد العقل الخالص في التعامل مع مشكلات المجتمع. وذهب إلى أن تجارب البشرية تشهد بوجود إله، غايته الحب والرحمة. والسماء تحب الناس جميعًا، وهو ما يُفتَرض أن يجعل الناس يحبون بعضهم بعضًا على قدم المساواة. وبذلك، رفض موتسو اعتراضات الكونفوشية على نظرية المحبة بين الناس من دون تمييز، انطلاقًا من فكرته النفعية القائلة بأن الناس يعرفون ما يجلب لهم النفع، وما يسبب لهم الضرر. ولو أُتيح لهم أن يختاروا سيكون خيارهم المحبة الشاملة الجامعة. لذا، ينبغي أن يكون الصالح العام معيار الاجماع، حيث يرى موتسو أنه لا مناص من أن يكون المحبة الشاملة الجامعة.
على أرضية فكرة الاجماع على الصالح العام، توصل موتسو إلى قاعدتين سياسيتين، الأولى، أن الصالح العام فيه نفع عظيم للعدد الأكبر من الناس. والثانية، مفادها أن السياسة المترتب عليها أعظم نفع للناس يجب أن يوافق عليها الجميع.
وترتب على هاتين القاعدتين نتيجة مؤداها، أن القادرين هم الأصلح لخدمة الدولة بغض النظر عن انتمائهم الطبقي أو الأسري.
وفي التضحية من أجل الجميع رأى موتسو فعلًا أخلاقيًّا أسمى للفرد، حيث شكَّل مع تلاميذه جماعة هدفها ترجمة هذه الفكرة في تطبيقها العملي على أرض الواقع. وقد اتخذوا لهم شعارات تميزهم، كما تطرفوا في الزُّهد وارتدوا ثيابًا خاصة بهم.
ورفض موتسو الحروب، لأنها برأيه نقيض الحب الشامل. في المقابل، رفض خصومه هذا الموقف، وعَدُّوا الحربَ سوطًا في أيدي الصالحين والقتال من أجل قضية عادلة عدالة.
وبالانتقال إلى المؤسس الثالث للكونفوشية، هسون تسو(312- 238ق.م)، نجد أنه كان على معرفة كاملة بحجج الفلسفات المعارضة للكونفوشية. من هنا، عَمِد إلى إعادة تأويلها بأساليب تختلف في جوانب هامة عن منسيوس.
الكونفوشية عند هسون تسون صارت أكثر عقلانية، والسماء غدت هي الطبيعة.
وعلى العكس مما ذهب إليه منسيوس، قال إن الطبيعة البشرية في أساسها شرِّيرة. ومع ذلك، بمستطاع البشر الذين وُلدوا أشرارًا، بحسب هسون تسون، أن يكونوا أخيارًا بالتهذيب والأخلاق والتربية المستمدتين من النصوص الكلاسيكية والاقتداء بحكماء الماضي.
ويرى تسون أن غاية العملية التربوية تأهيل الرجل المتعلم كي يحكم، وعلى هذا الأساس أُضيف إلى ثوابت الكونفوشية المتأخرة القول بأن أفضل المتعلمين هم الأقدر على خدمة الدولة.
أعطى تسون أهمية خاصة للعقل، فهو بمنظوره مركز الكون، ومنه يبدأ النظام الأخلاقي والكمال البشري. وقد أفضى به هذا الاعتقاد إلى رؤية عقلانية للدين، حيث رفض العديد من الممارسات الدينية وعدَّها خرافات. ومنها معالجة الأمراض بالرقى والتعاويذ، وقراءة البخت من ملامح الوجه، وصلاة استجلاب المطر(الاستسقاء).
ومع أنه أباح التنبؤ بالغيب، لكن بشرط ربطه بالعقل.
وعلى أرضية رؤيته العقلانية للدين، أنكر وجود الأرواح الشريرة والأشباح الضارة. أما أرواح الأسلاف وقوى الطبيعة، فقد عَدَّها تسون تجليات للسمو الخلقي.
وقال إن سيطرة الناس على الكون وبيئاتهم ممكنة، لكنها تتوقف على فهمهم الكامل للطبيعة.
وهكذا، بمقدورنا القول إن هسون تسو من رواد العقلانية في الكونفوشية. (يتبع)

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن