|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

عماد حسب الرسول الطيب
2026 / 5 / 31
قد يتساءل قارئ: كيف تجرؤ سلسلة مقالات على استدعاء رواية أدبية عن مجتمع إيغبو خيالي في خمسينيات القرن التاسع عشر لتحليل حرب أهلية في السودان عام 2026؟ أليس هذا إسقاطاً تعسفياً؟ أليس في الأدب السوداني نفسه ما يكفي من نصوص تعكس واقعه؟ ألا يختزل هذا الإجراء تنوع المجتمعات الأفريقية في قالب واحد؟ هذه الأسئلة مشروعة، بل هي ضرورية لمنهجية أي تحليل ماركسي جاد. هذه السلسلة لم تستدع "الأشياء تتداعى" كزخرف أدبي، ولا كمرثاة لحضارة ضائعة، بل كنموذج بنيوي لانهيار وعي طبقي يمكن تتبع آلياته في سياقات مختلفة. الفرق بين الاستعارة والتحليل البنيوي هو الفارق بين أن نقول "السودان مثل أوموفيا" (وهذا تعسف) وبين أن نقول "آليات إنتاج الوعي الزائف التي حللها أتشيبي في أوموفيا تعمل اليوم في السودان بأدوات مختلفة" (وهذا تحليل قابل للاختبار).
أتشيبي لم يكتب رواية أنثروبولوجية عن قبيلة منقرضة، بل كتب تشريحاً لآليات الهزيمة التي يعرفها كل مجتمع يخضع للاستعمار أو للهيمنة النخبوية. أوموفيا ليست "أي قرية أفريقية"، بل هي نموذج مصغر لعلاقات إنتاج وتراتبية طبقية وجهاز أيديولوجي (الأوراكل) يمكن دراسته كحالة. حين نقرأ عن "التشي" الذي يحدد حظ الفرد، نفكر في القبيلة التي تحدد مكانة الفرد. حين نقرأ عن الأوراكل الذي يشرعن قتل التوائم، نفكر في الخطاب القبلي الذي يشرعن قتل الجار. حين نقرأ عن انتظار شيوخ أوموفيا لإشارة الأوراكل قبل مقاومة البريطانيين، نفكر في انتظار جماهير السودان لإشارة "صمود" قبل تنظيم أنفسهم. هذا ليس استعارة، بل هو تتبع لآليات أيديولوجية متكررة في سياقات تاريخية مختلفة. الماركسية الجذرية لا تقارن الظواهر بتشابهها السطحي، بل بتشابه وظيفتها الطبقية.
الاعتراض على استدعاء نص أدبي قديم قد يكون في ظاهره دفاعاً عن "خصوصية" السودان، لكنه في جوهره يخفي افتراضاً خطيراً: أن كل مجتمع فريد لدرجة لا يمكن مقارنته بأي مجتمع آخر. هذا الافتراض هو عين الأيديولوجيا البرجوازية التي تمنع التحليل الطبقي العابر للحدود. لو طبقنا هذا المنطق، لما استطعنا استخدام مفاهيم ماركس التي صاغها لتحليل رأسمالية أوروبا القرن التاسع عشر في تحليل السودان اليوم. لكننا نفعل، لأن الرأسمالية وإن اختلفت أشكالها، فإن قوانينها الأساسية (تراكم رأس المال، استغلال العمل، الصراع الطبقي) تعمل في سياقات مختلفة. ذات المنطق ينطبق على الأوراكل. آليات إنتاج الوعي الزائف، وتشريع التراتبية، وشل الاستجابة الجماعية، ليست حكراً على الإيغبو في القرن التاسع عشر، بل هي آليات بشرية عامة تعيد إنتاج نفسها في كل مجتمع تخضع فيه جماهير لهيمنة نخبة تستخدم أيديولوجيا لتبرير استغلالها.
ثمّة فرق جوهري بين "أوموفيا" كرواية وأوموفيا كتحليل. الرواية عمل أدبي، لكن ما نستدعيه من الرواية ليس حبكتها أو شخصياتها، بل بنيتها الطبقية وآليات أوراكلها. هذه البنية استخلصها أتشيبي من واقع تاريخي (مجتمعات الإيغبو قبل الاستعمار) ثم صاغها أدبياً. نحن نعيد استخلاصها من النص الأدبي إلى الواقع التحليلي، لنطبقها على واقع آخر. هذه هي الحركة الجدلية بين النظري والواقعي، بين الخاص والعام. السودان ليس أوموفيا، لكن آليات الأوراكل تعمل فيه بطريقة مذهلة في التشابه مع ما وصفه أتشيبي، ليس لأن أتشيبي تنبأ بالمستقبل، بل لأن البنى الطبقية والأيديولوجية تنتج أنماطاً متكررة من الوعي الزائف، وإن اختلفت أشكالها التاريخية. الأوراكل في أوموفيا كان يجلس في كهف، والأوراكل في السودان يجلس على كرسي الإعلام أو في قاعات مؤتمرات نيروبي، لكن الوظيفة واحدة.
أما عن السؤال: أليس في الأدب السوداني نفسه نصوص تعكس واقعه؟ بلى، ولا شك. لكن "الأشياء تتداعى" ليست بديلاً عن قراءة الشعر السوداني أو روايات الطيب صالح أو التجاني يوسف بشير. هي إضافة، وليست استبدالاً. وقيمتها بالتحديد في أنها تقدم نموذجاً مكثفاً لانهيار مجتمع تحت وطأة أوراكل داخلي قبل أن يأتي العدو الخارجي. النصوص السودانية قد تقدم هذه الرؤية أيضاً، لكنها غالباً ما تكون لاحقة للكارثة أو متداخلة معها. ما يميز أتشيبي أنه كتب عن أوموفيا قبل الاستقلال، من موقع من يرى الكارثة قادمة ويحاول فهم أسبابها. هذه النظرة الاستباقية تجعل نصه قابلاً للتطبيق على مجتمعات أخرى تمر بلحظات انهيار مماثلة. السودان اليوم يمر بلحظة انهيار، والنصوص التي كُتبت عنه بعد الانهيار قد تكون أقرب إلى التوثيق منها إلى التحليل الاستباقي.
التحليل الطبقي الذي قدمناه في هذه السلسلة لا يقوم على "رواية" واحدة، بل على أرضية مزدوجة: رواية أتشيبي من جهة، ووثائق وتقارير وأخبار عن السودان الراهن من جهة أخرى. استدعاء أوموفيا هو أداة لتوليد الأسئلة، لا لإغلاقها. حين نقول "الأوراكل في أوموفيا كان يفعل كذا"، نسأل: أين الأوراكل الذي يفعل كذا في السودان اليوم؟ هذا السؤال يفتح تحقيقاً، لا يغلقه. الرواية هنا ليست جواباً، بل هي عدسة. والعدسات يمكن أن تكون مفيدة حتى لو كانت مصنوعة في غير بلدك. لم يقل أحد إن الطبيب لا يستخدم سماعة طبية مصنوعة في السويد لأنه ليس سويدياً. الأداة تُقيم بفائدتها، لا بجنسيتها.
ربما يكون الاعتراض الأعمق هو: باستدعائك نموذجاً أفريقياً خارج السودان، ألا تعيد إنتاج النظرة الاستعمارية التي تختزل أفريقيا في قالب واحد؟ بالعكس، النظرة الاستعمارية كانت تقول إن الأفارقة كلهم "متشابهون في تخلفهم". نحن نقول إن آليات الاغتراب الطبقي وإنتاج الوعي الزائف تتشابه، وليس الشعوب. هذا الفارق حاسم: نحن نحلل بنى، لا نصنف بشراً. أتشيبي نفسه كان يرفض اختزال أفريقيا في قالب واحد، وهو الذي كتب مقالات ناقدة بحدة لجوزيف كونراد ورواياته التي صورت الأفارقة ككتلة متجانسة من "الوحشية". استدعاء أوموفيا هو تكريم لأتشيبي، وليس خيانة له. أتشيبي أراد أن يكتب رواية أفريقية تخاطب العالم، لا رواية إيغبو تخاطب الإيغبو فقط. نجاحه في جعل أوموفيا نموذجاً عالمياً يعني أن آليات الانهيار التي وصفها ليست حكراً على مجتمعه، بل هي قابلة للتعميم التحليلي.
الماركسية الجذرية تتعامل مع الأدب كوثيقة اجتماعية، لا كعمل فني محايد. من هذا المنظور، رواية أتشيبي ليست أقل قيمة من تقرير اقتصادي أو دراسة أنثروبولوجية، بل قد تكون أكثر قيمة لأنها تلتقط التناقضات الحية التي قد تفلت من التحليل الجاف. درويش وفانون ونيرودا لم يكونوا أقل تأثيراً من الاقتصاديين لأنهم استخدموا لغة الشعر لقول ما لا يقوله التقرير. أتشيبي استخدم لغة الرواية ليقدم تشريحاً لانهيار مجتمع كامل قبل أن ينهار. هذا هو السبب الذي يجعل روايته حية بعد سبعين عاماً، بينما تقارير أنثروبولوجية كثيرة طواها النسيان. السلسلة لم تستدع أوموفيا لأنها أقدم أو أفصح، بل لأنها قدمت نموذجاً تحليلياً مكثفاً لآليات الأوراكل التي لم تستطع نصوص أخرى تقديمه بنفس القوة.
في النهاية، هذه السلسلة لا تدعي أن أوموفيا هي "مفتاح" لفهم السودان، بل هي "أداة" من بين أدوات. القارئ الذي لا يقتنع بهذه الأداة يمكنه تجاهلها والتركيز على التحليل المباشر للواقع السوداني. لكن السلسلة ستكون أقل عمقاً، لأن المقارنة مع أوموفيا سمحت لنا برؤية أنماط متكررة من الوعي الزائف ربما كانت ستظل مخفية لو اكتفينا بالوصف المباشر. السؤال الذي نتركه للقارئ ليس "هل توافق على استدعاء أوموفيا؟" بل "هل ساعدك هذا الاستدعاء على رؤية شيء لم تكن تراه من قبل؟" فإن كانت الإجابة بنعم، فالأداة أدت غرضها، بغض النظر عن أصلها الجغرافي والتاريخي. وإن كانت الإجابة لا، فالسلسلة فشلت في مهمتها، ليس لأن أوموفيا اختيار خاطئ، بل لأننا فشلنا في تقديمها بشكل مقنع. السلسلة لا تدعي العصمة، بل تخضع للنقد مثل أي أداة أخرى.
كما قال ماركس في "رأس المال": "ليس التحليل الاقتصادي وحده ما ينتج النقد، بل النقد ينتج أيضاً من تناقضات الواقع نفسه". أوموفيا لم نستدعها من فراغ، بل من تناقضات السودان الراهن التي جعلت القارئ يبحث عن نموذج لفهمها. لم نأتِ بها فرضاً على الواقع، بل وجدناها جواباً لحاجة مادية لفهم آليات الهزيمة. هذه الحاجة هي التي تبرر استدعاءها، وليس أي فضل ذاتي. وما دامت الحاجة قائمة، فالأدوات ستتعدد، ولن يكون آخرها أوموفيا.
النضال مستمر،،
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |