|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

احمد كانون
2026 / 5 / 30
بدأت إرهاصات هذه الصدمة من إغواءٍ صوتي بريء؛ حين ترددت أصداء الحروف المشكّلة "أَ" بالفتحة و"أُ" بالضمة، كنغماتٍ سحرية على ألسنة الأطفال في بيت جدي. تلك المقاطع البدائية أشعلت في وعيي الغض شرارةً إبستمولوجية (معرفية) دافعة، وحفزت فضولاً فطرياً لاكتشاف تشريح اللغة!. مدفوعاً بهذا الشغف، ومسنوداً بمباركةٍ تشجيعية من جدي، خطوتُ مع أحد أقراني نحو باب "الكُتَّاب"، متوهماً أنني ألج محراباً لتفكيك طلاسم الحروف، ولم أدرك حينها أنني أسير بقدمي نحو مصيدةٍ مبكرة لمصادرة الإرادة تحت لافتة "التعلم المقدس".
لم يكد يمر يومنا الأول حتى أسقطت السلطة، المتمثلة في شخص "الشيخ"، قناعها التربوي لتكشف عن وجهها الشمولي الصارم. لم يكن المكان ساحةً للمعرفة الحرة، بل معسكراً يشترط التجنيد الأيديولوجي الإجباري؛ إذ باغتنا الشيخ باختبار الولاء الأول: "هل ستكملان المشوار حتى ختم القرآن، أم أن مجيئكما مؤقت؟".
ببراءة العقل التجريبي، أجاب رفيقي أنه جاء ليرى الأجواء ويختبر المكان. وما كان جزاء هذه الفاعلية النقدية إلا الطرد الفوري والإقصاء العلني! أمام مشهد النفي الصادم، استيقظت بداخلي غريزة البقاء؛ ابتلعتُ حقي في حرية التجربة، ومارستُ تكيفاً ميكافيلياً مبكراً باختلاق كذبةٍ وقائية للنجاة، مجيباً إياه: "أنا معكم حتى يشاء الله". رحّب بي الشيخ حينها، لا كعقلٍ يتوق للتعلم، بل كعنصرٍ أعلن خضوعه المسبق للنظام!، ويومها أدركتُ أن القراءة هنا ليست فعلاً لاكتشاف العالم، بل حقل ألغامٍ سلطوي يستوجب السير فيه بحذر.
ثم جاء اليوم الثالث، حاملاً معه استحقاق "التسميع" لما حُفظ. هنا، اصطدمت محدودية الذاكرة الطفولية لابن خالتي بقسوة النسق القمعي، فاستدعت أخطاؤه تفعيل الأداة العقابية الأبرز والأكثر رعباً: "الفلقة". لكن الصدمة التي أثارت اشمئزازي لم تكن في العقاب الجسدي ذاته، بل في هندسة الإذلال الممنهجة التي ابتكرها الشيخ. ففي تجلٍّ مرعبٍ لتوحش السلطة، أصدر أمره للأخ الأكبر للضحية، ولابن عمه، بتثبيت جسده الغض لتلقي الضربات!؟.
لقد حققت السلطة في تلك اللحظة أقصى درجات الاستلاب و السادية؛ فككت الروابط الاجتماعية والعاطفية، وحولت المقهورين إلى أدواتٍ لقهر بعضهم البعض. أن يُجبر الأخ على أداء دور "مساعد الجلاد" لأخيه، هو سحقٌ تام لمنظومة الحماية الفطرية، ومشهدٌ يجسد كيف يجند النسق القمعي ضحاياه لترسيخ هيمنته. وما ضاعف من بشاعة المشهد، هو ذلك التلذذ السادي الذي طفا على ملامح الشيخ وهو يراقب هذا الانكسار المزدوج.
أمام هذا المسرح العبثي، حيث يُطحن الفرد وتُنتهك أواصر الدم طواعيةً رهبةً من الجلاد، أدركتُ أن البقاء يعني الانتحار الرمزي والقبول بالتدجين المطلق. في لحظة انفصالٍ حاسمة عن قطيعٍ مستلب، اتخذتُ قراري السيادي الأول: الهروب!.
لم أهرب من المعرفة، بل انتفضتُ لاسترداد وكالتي الذاتية المسلوبة. ركضتُ بعيداً عن أسوار الكُتَّاب، ومع كل خطوةٍ تبتعد بي عن ذلك النسق، كنت أستعيد كينونتي وأتذوق طعم الحرية.. طعماً حسياً، حقيقياً، وحلواً ذاب على لساني ليمحو مرارة القهر. كان هروبي إعلاناً مبكراً لرفض أي معرفةٍ تُشترط بالخضوع، وتمرداً صريحاً على أي سلطة تساوم الإنسان على إنسانيته لتمنحه حرفاً. و من المفارقة المبكية المضحكة التي عززت قراري الصائب بالهروب هو ان الشيخ تم القبض عليه لاحقاً في قضية تحرش بطفل!.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |