|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

احمد كانون
2026 / 5 / 30
لا تزال تلك الصفعة المباغتة في أيامي المدرسية الأولى ترنّ في أذني كجرسِ إنذارٍ وجودي؛ حين طلبتُ ببراءة الطفل الذهاب إلى دورة المياه، فباغتتني المعلمة بضربةٍ قاسية على وجهي، متوهمةً -في سياق خروج من سبقوني- أنني أختلق ذريعةً للفرار من سجن الدرس!. لم تكن تلك مجرد حادثة طفولية عابرة، بل كانت التجلي الأول والأعنف لجدلية الاستلاب؛ حيث اصطدمت حاجتي الفطرية والبيولوجية بسلطةٍ عمياء لا ترى في الفرد إلا متغيراً شقياً يجب قمعه!.
منذ تلك اللحظة، استحال الصباح إلى مسرحٍ للرعب اليومي. صارت كل خطوةٍ نحو المدرسة مرتبطةً بانقباضاتٍ حادة وعنيفة في أمعائي، كتعبيرٍ فسيولوجي عن صراع البقاء. لقد تحول الخوف من صفعةٍ جديدة إلى قيدٍ بيولوجي شلّ فاعليتي كلياً؛ حتى بلغ الأمر بي ذات يوم أن تبرزت في ملابسي، مفضلاً احتمال وطأة الانكسار والخزي بصمت، على أن أرفع يدي مطالباً بأبسط حقوقي الطبيعية في استخدام دورة المياه؟. كان ذلك الاختيار اللاواعي هو الهزيمة الأولى للوكالة الذاتية؛ حيث يُجبر الجسد على معاقبة نفسه، ويكبت نداءه التطوري، لتفادي بطش السلطة الخارجية.
ولم تكتفِ السلطة بكسري صمتاً، بل مارست أبشع تجلياتها حين اكتشفت المعلمة ذاتها ما اقترفه خوفي. بدلاً من أن تستر هشاشة طفولتي وتتفهم دافعي، اتخذت من انكساري الفسيولوجي مسرحاً للتشهير. وقفت أمامي، تشير بسبابتها لتلفت انتباه زملائي، وتطلق عبارات الاستهجان والتقريع التي مزقت ما تبقى من كرامتي. في تلك اللحظة، لم تعد السلطة تكتفي بالردع الجسدي، بل انتقلت إلى ممارسة التوحش؛ مستخدمةً الفضيحة والإذلال العلني كأداة لترسيخ خضوع القطيع، وتحويل زملائي إلى جمهور متواطئ يشهد حفل إعدامٍ رمزي لكينونتي.
من هناك، من ذلك الفصل المدرسي، تخلّق معنى الاغتراب في الوطن؛ ليس كمسافةٍ نائية تفصل الجسد عن التراب، بل كانسحاقٍ مبكر للفاعلية أمام نسقٍ محكومٍ بعبثية الفوضى المنظمة. أن تعيش مستلباً يعني أن تتلقى صفعات السلطة المتتالية، وتُسحق تحت وطأة احتقارها، لتدرك النظام الضمني القمعي الذي يختبئ خلف عشوائيتها. هو أن تقف مجرداً من أدواتك، تحمل وعياً يراقب وطناً يُعاقبك على أشد حاجاتك الجسدية إلحاحاً، ثم يشهّر بضعفك الناجم عن قسوته، ليُحيلك من صانعٍ لواقعك إلى مجرد شاهدٍ صامت على تاريخٍ تُكبل فيه يداك.. وتُسلب فيه حتى سيادتك على جسدك وكرامتك.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |