قراءة أدبية لنص(مدينة الكذب) ماهية التشكيل وقيمتها البنوية فى النص السيريالى لدى الشاعرة هدى عزالدين محمد.بقلم الناقد خالد الخليفة.مصر.

هدى عزالدين محمد
2026 / 5 / 30

نص ؛ مدينة الكذب .مدهش بعنوانه برمزية تحيل القارئ لمراجعة النص مرات عدة ، يستحضر فيها أيحاءاته والأجواء بوجدانية مُضمخة برهافة الحس يؤنسه منظر تلك الأطلال وهي تنفذ لأعماق قلبه المتوهج الملتهب وسط فلاة متوحشة مظلمة لا يضيئها كوكب ولا يلمع فيها شعاع ، تودع فيه الكاتبة عهد الحب بوداعة الحياة الخالية من الخوف ، حمالة أوجه في تشابك الفلسفي تقوم على أساسه فكرة الجناس لترفع الحماس ، تثير الهواجس في تتبع المفردات تمشطها بخطيئة راهب تبقى حبيسة الجدران دون وشاية الفضح .
تبدأ الكاتبة نصها بالقول :
( كنا نمرح قبل أن نركب رياح خوفنا ) كأنها تحزم أعناق الرؤى للمناجل ، توزع الآجال بمناقير تتلقف الجذور والريح تنثر الخطوات بمذارة الوصول مطرقة ومسامير تثبت هذا الخوف على قائمة الأحياء ، أراك مثل ( مسيحاً ) تنزفي كل هذا الضوء ! صوتك مزار يجذب الرسن لحناجر المطر ، والبوح راحلة تعرج للسماء لا يهدها الوجع ، مستوية الأرض تحت النص حيث أراك تلوحين بيدك مُغتربة تدسين صواع الحقيقة بين أوراق قضية خاسرة بمحكمة القدر ، مثل البكاء صوت صرير الورق في حشرجة نبوءة نائمة ، في حيرة وصمت أقف مثل خطيب اربكته فكرة الموت يراقب بعين غائرة عداد التسبيح .
أكشف عن ساق النص بتشكيله وايقاع الألفاظ بخلسة المراهق يخبئ صورة حبيبة تحت قلبه ، يا سيدي القاضي ما تقول في سبع عجاف لم تمطر فيها السماء على قلبي ؟ وما تقول بروح مقددة فارقها ترف العناق كل مساء تطرق الأبواب الخاطئة ؟ لطالما ذرفت الدمع من تلك الخزائن لمواثيق لوثتها الوعود الزائفة ، تكمل الرحلة بطابع صوفي متسقة ترصد حركة الأحداث بأنفعالات اللغة ، توفر الحماية للإحساس والعناية به حد الترف حين تقول :
( تعالوا هنا ، واتركوني هناك ) رصد للمشاعر عذراء كلمات البوح خالية من الحزن .
لا تستسلم الكاتبة للحمق ولا تقبل الأشياء على علاتها ، فثمة ما يجعل القضبان سهلة السحب داخل زنزانة الظنون ؛ تمزقها ! بكل ارادتها المسوّرة بالهيام ، تكتب بالاثير فوق الريح بأعذب الألحان ، نواح السجناء داخل الذاكرة عساكر ماتوا بشرخ الجراح على بوابات الرغبة .
ذروة المشاعر وقيمتها البنوية حين تلمسها وتلتقط كينونتها مثل أول صوت البكاء بعد الولادة بتلك المرحلة تنعدم الجاذبية من تحتك كأنك تطير دون أجنحة ، جديدة تركب قطارات الذاكرة ، هي نفسها التي تصورها شاعرتنا بوصف رقيتها الغير شرعية تراقب حفل زفاف عرسها تريد الغرس في بطنها مقيت هواجسها ، كناية عن زمن رحل عنه المطر فباتت تؤرخ للوجع .
والعرافات بصندوقهن المشاكس رحلة ثانية تصطاد خلالها قنديلاً تزيّن به نصها ، لم يروقها فكرة المشي فوق النار ، افترقا وبقيت روحها هائمة دون جسداً حقيقياً ، غير ندوب الذاكرة ولا أرض سوى هذي الورقة ، لا نبض غير نزيف حبرها ، حتى تخوم الجنون حكاية شاعرتنا ( هدى ) سحابة ثملة تتشكل بتقلب درجات الحرارة في كل شق وفجوة تتسلل .
مثل نزلة برد أحس بها حين لامست مفردات النص ، كأنها لوح من الجليد تحت الصفر زاخراً بالألم ، حتماً نزيف بداخل التوق يشعل الشغف ويندف فوق أرخبيل الترقب ، متى تكسر جليد الأسى وتذيب عصاه لترحل في سماوات العشق السبعة ! .
أقرأ النص فتراودني مشاعر مختلطة وفي اللاوعي آثار أقدام تمشي في نومها ، والحزن يتبع آثارها والنجوم تومض مضطربة بين معسول الكلام وخديعة القدر كجليد يتراجف النهر غير متجمد ، مثقلة الخطى تلعق العرق الناضح عن جانبيها ، والقمر يتراءى يسلخ جلد الخسوف عنه ، تعبر تقاطع الرؤى وبين مراعي الغيم تطاردها بروق التوق تخيفها صواعقها ، تتجرع السم الزعاف في غرة الجوع تغلف كسرة الخبز ، تكوين دقيق للنص تعمدته شاعرتنا ( هدى ) من الهيئة التكوينية التركيبية تمثل في حرصها على :

1. الحدس : العلاقة بين الكذب والجوع للحقيقة في صوفية الوصف لأرضاء غاية تتمحور حول علة البقاء والخلود والتعمق فيها بأحترافية مميزة .
2. الشعور : في تكوين المعاناة المرتبطة بكل الفصول والأزمنة ودورها بدباغة جلد المفردات ومحاربتها لنيل النجاة من شوارع مدن الكذب .
3. النتيجة : في الانسجام النهائي رغم تفاقم عوامل الحزن والحرص بعدم قبول الهزيمة في المعركة ضد كل هذا الكذب والخديعة ، لا تعلن الهزيمة ولن ترفع الراية البيضاء أمام تجار الشرف ؟! .
بالمقارنة ضمن جدول التوقعات نرى قراءة أدبية لنص (مدينة الكذب) للشاعرة هدى عزالدين محمد.بقلم الناقد خالد الخليفة.مصر.
ماهية التشكيل للنص والمواجهة تقدم لنا الادلة عن تكوين اللغة قبل الشروع بكتابة النص ، لأنه يكون بمثابة العمل على ( مستحثات ) تكشف أثر اللغة وعنفوانها لدى الكاتبة في ثراءها واستدامتها وفاعليتها مهما تقاطعت المسارات عبر النص .
اللغة تمنح الادلة للمشاعر العصية على الاكتمال تمسك حبل النجاة الذي يمتد أعلى التجليات فوق فراش الورقة طراوة تلك المدن الواقعة أقصى الزمن من بلاد الرؤى تثير فينا الذعر والرعب ، أطلب النجدة أنصت لزند قوافيك عارية الضجيج .
واهنة كبيت العنكبوت تلك الحكاية عبر الزمن ، خلف جدار غير مرئي يخفي كثير الحكايا طواها الدمع برائحة الخيبة ينتحب الانتظار بكامل نياشين الوجع ، تصطف الرؤى مثل عساكر في شرخ حزن عنيف يتبلور تحت ستار التشبع بالرمزية التي تحفظ المعنى غظاً شهياً ، أتلمس مشهداً يسهل للسرد وقائع تستمد الحياة بمشارب اللغة .
الاستغراق بالنص يشبه الجري وراء ظلال الجسد ، يلفت النظر الى العلامة البارزة من صفاته ، حيث نجد الرمزية أحثاثاً قوياً بمرونة تلبي استجابة المشاعر المدجنة في عقل الكاتبة وبعدها القصي ذا المدلول الميتافيزيقي ، بتلك القشعريرة على بطاح النص يصيبه القرح ، وفسائل اللفظ أستقرت في ذات الشاعرة .
النص مستلطف الألفاظ واللغة في إقامة براهينه اتسم بالتعبير اللطيف والمرونة المستلهمة الهادفة ، بذوق وصنعة فنية استثمرت فيها كثافة المهارة والأداء المنبثق من عمق التجربة ، لا تنفك عراه أو تلين مفاتنه تقرع نوافذ اللطف حين يسقط منجل الواقع على عنق الورقة ! .

• "النص"
مدينةُ الكذبِ...
هدى عزّ الدين... من مصر
كُنّا نمزحُ قبلَ أنْ نركبَ رياحَ خوفِنا
ثمَّ نُسقِطَ أوراقَ قضَّيةٍ
أو نُرشدَ القاضيِ إلى دستورٍ أبيضَ الصفحاتِ
تعالوا هُنا، واتركونِي هُناكَ...
هُناكَ معَ كلماتِي العذراءِ
أُحدِّثُها عنِّي وعَن يومِ أمسِ القريبِ
أهمسُ في أذنِها رقيتِي
غيرِ الشرعيَّةِ
أراقبُ يومَ عرسِها
وأغرسُ في بطنِها حيواناً
مِن غيرِ أبٍ
أعلمُ أنَّ مريمَ بنتَ عمرانَ
لم تَتبعْها العرَّافاتُ
ولم تَسبقْها مِنهنَّ الكاذباتُ
هُنا خلفَ أبوابِ المدينةِ الكاذبةِ
رسمتُ على رأسِي بعضَ مناطقِ الغيبةِ الصغرى
أمشي فوقَ النار ِ كي
أتحسَّسَ ثلوجاً مِن أفئدةٍ
افيدونِي جزاكُم مِن عقلِي
ألفُ ألفِ لعنةٍ
أرشدونِي، يا أهلَ الكذبِ...
هل في مدينتِكُم طاولةُ
طعامٍ معسولٍ؟
هل صدقاً تغسلونَ أيديكُم
قبلَ تناولِ الخديعةِ؟
نصفَ كوبٍ أشربُ
كي أتجرَّعَ مِن سمِّ
التجارِ
وأطهوَ لأطفالي خبزاً
مِن طاولةِ جوعِكُم
لا، بلْ ألفُ ألفِ لا
ما كنتُ أبحثُ عَن المشاركاتِ في شوارعِ مدينتِكُم...

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن