10. الطليعة الشبكية: تنظيم الممارسة لا تنظيم الحزب

عماد حسب الرسول الطيب
2026 / 5 / 29

في أوموفيا، كان الأوراكل يحتكر الوساطة بين الناس والآلهة. لم يكن بإمكان الفقير أن يفهم إرادة الآلهة بنفسه، ولا أن يتخذ قراراً جماعياً دون الرجوع إلى الكاهنة. هذه البنية العمودية هي ما جعل المجتمع هشاً: حين أُحلَّت المسيحية محل الأوراكل، لم يبقَ أي بديل تنظيمي من صنع الفقراء أنفسهم. لم تكن هناك لجان مقاومة، ولا شبكات تضامن أفقي، ولا هيئات تقرر مصيرها بنفسها. كان كل شيء يصعد إلى الأعلى ثم يهبط إلى الأسفل. حين انهار الأعلى، انهار كل شيء. السودان اليوم يملك فرصة لم تكن لأوموفيا: تجربة لجان المقاومة التي نشأت من تحت الأنقاض، والتي تعمل خارج الأوراكل القديم والجديد. لكن هذه اللجان لن تصمد إن بقيت إغاثية فقط، وإن ظلت محلية مفرطة، وإن لم تجد منهجاً مشتركاً يربطها أفقياً. الطليعة الشبكية التي نقترحها ليست حزباً طليعياً بالمعنى اللينيني الكلاسيكي، ولا شبكة عفوية بالمعنى الفوضوي، بل هي شكل ثالث ينمو من الممارسة اليومية، ويكسر الأوراكل ليس بإعلان الحرب عليه، بل بتقديم بديل عملي يجعله غير ذي موضوع.

في غياب الحزب الطليعي المركزي - الذي تفترض شروطاً غير متوفرة في سودان اليوم: دولة يمكن اختراقها، طبقة عاملة متمركزة، أمن يسمح بمركزية دائمة - ظهرت لجان المقاومة كاستجابة تلقائية للانهيار. هذه اللجان ليست مثالية، لكنها أقرب ما يكون إلى "السوفييتات" التي مجدها لينين في "الدولة والثورة": سلطة مزدوجة تنمو في شقوق الدولة المنهارة، تمارس وظائف الدولة دون أن تكون دولة. توزيع الخبز، إدارة الممرات الإنسانية، توثيق الانتهاكات، تنظيم الإغاثة - كلها وظائف كانت للدولة، لكنها انتقلت إلى اللجان حين غابت الدولة. هذا هو بذرة الطليعة الشبكية: تنظيم لا ينتظر تفويضاً من فوق، لأنه ينمو من أسفل. لكنه يظل بذرة ما لم ينضج إلى شجرة.

الطليعة الشبكية تقوم على أربعة مبادئ، كل منها نقيض مباشر لآلية عمل الأوراكل. المبدأ الأول: وحدة العمل هي المجموعة المحلية لا الحزب. لجنة حارة، تجمع نازحين في معسكر، نقابة مهنة محددة، تعاونية زراعية، مجموعة نساء تدير مخيماً. هذه الوحدات تتخذ قراراتها باستقلالية تامة، ولا تنتظر إذناً من قيادة عليا لا وجود لها. هنا الفرق الجوهري عن الأوراكل: الأوراكل كان عمودياً، يوزع الأوامر من الأعلى إلى الأسفل. الطليعة الشبكية أفقية، تتشاور وتنسق لكن لا تأتمر. لكل لجنة حق الاختلاف، بل حق الخطأ، لأن الخطأ في تجربة محلية أقل كلفة من خطأ مركزي يصيب الجميع.

المبدأ الثاني: التنسيق الأفقي لا التوجيه العمودي. حين تتلاقى مصالح وحدتين، تنسقان مباشرة، دون الحاجة إلى مركز يوزع القرارات. لجنة في بورتسودان تريد تنسيق ممر إنساني مع لجنة في الفاشر، تتصل بها مباشرة، لا عبر "قيادة عليا للجان المقاومة" لا وجود لها. هذا هو ما يجعل التنظيم صامداً في ظروف الحرب: ضرب مركز لا يفكك الشبكة، لأن الشبكة لا تملك مركزاً. كل عقدة يمكن أن تُستبدل، وكل قائد يمكن أن يُغيّب، والشبكة تعيد تشكيل نفسها. الأوراكل كان ينهار بموت كاهنته أو فضح زيفها. الطليعة الشبكية لا تنهار بغياب أي فرد، لأنها ليست مبنية على أفراد بل على علاقات.

المبدأ الثالث: المنهج المشترك لا البرنامج الجامد. الأوراكل كان يملك برنامجاً جامداً: طقوس ثابتة، أوامر محددة، تفسيراً وحيداً للإرادة الإلهية. هذا يجعله هشاً أمام أي تغير في الواقع، لأنه عاجز عن التكيف. الطليعة الشبكية تتبنى منهجاً تحليلياً مشتركاً، ليس برنامجاً مفصلاً جامداً. هذا المنهج يسمح لكل وحدة محلية باتخاذ قرارها بنفسها، وفق ظروفها، مع بقائها منسجمة مع الآخرين. المنهج المشترك يحتاج ثلاثة عناصر فقط: تسمية العدو بدقة مادية (ليس "الجيش" ككتلة، ولا "الدعم السريع" كقبيلة، بل "النخبة المسلحة التي تتقاسم عائد الذهب وتُلقي بفقراء كل القبائل في القتال")، والمطالب المادية الفورية (خبز، ماء، وقف إطلاق نار، ممرات إنسانية)، ومعيار بسيط للتقييم (هل هذا القرار يخدم الفقراء عبر حدود القبائل أم يعيد إنتاج الانقسام؟).

المبدأ الرابع: مركزية الأزمة مؤقتة لا دائمة. الأوراكل كان يطلب الولاء الدائم، والطاعة العمياء، والخضوع المستمر. الطليعة الشبكية تعترف بأن هناك لحظات تتطلب قراراً جماعياً سريعاً، حيث يكون التنسيق الأفقي البطيء غير كاف. في هذه اللحظات، تتنازل الوحدات مؤقتاً عن بعض استقلاليتها لصالح تنسيق أسرع، ثم تعود إلى الأفقية بعد انتهاء الأزمة. هذا يمنع تحول المركزية المؤقتة إلى بيروقراطية دائمة، وهو ما حدث مع كثير من الحركات الثورية حين حولت "المركزية الديمقراطية" إلى "مركزية القائد" فقط.

أما المثقف العضوي في هذه الطليعة الشبكية، فليس قائداً يوجه من فوق، بل وسيط يوثق التجارب وينظّر لها ويعيد توزيعها. دوره ليس الإملاء بل التوصيل. حين توثق لجنة في كسلا تجربتها في فتح ممر آمن، وتترجم إلى منهج يمكن تطبيقه في نيالا، وتنشره عبر شبكات اتصال آمنة، فإنها تبني وعياً مضاداً من الممارسة لا من الكتب. المثقف هنا ليس "طليعة تسبق القاعدة" بل "مرآة تعكس للقاعدة تجاربها وتجارب غيرها". هذا الدور أقل بطولية لكنه أكثر إنتاجية، وأقل عرضة لتحويل المثقف إلى أوراكل جديد. لأنه لا يمنحه سلطة على أحد، بل يمنحه مسؤولية تجاه الجميع.

ثمة خطران يهددان الطليعة الشبكية. الأول هو خطر التحول إلى شبكة إغاثة إنسانية فقط. تحت القصف والحصار، تغدو الإغاثة هي المهمة الأكثر إلحاحاً. لكن من دون مشروع سياسي واضح، تبقى اللجان رهينة للأوراكل. ستوزع الخبز، لكن الخبز سيأتي غالباً من جهات دولية أو من طرفي الحرب، مما يعيد إنتاج التبعية. الطليعة الشبكية الحقيقية يجب أن تربط بين الإغاثة والتمكين: توزيع الخبز فعل إنساني، لكن السؤال عن لماذا الخبز مفقود ولمن يذهب عائد الذهب هو فعل سياسي. من لا يطرح السؤال الثاني يصبح جزءاً من آلة الأوراكل.

الخطر الثاني هو أن تتحول اللجان إلى إمارات نفوذ محلية، يديرها زعيم حي يتفاوض باسم السكان دون انتخاب، أو تستبعد النساء من قراراتها بينما يقع الثقل الأكبر على أكتافهن. هذا يعيد إنتاج الأوراكل بعينه، وإن تغيرت التسمية. في الواقع، قادت النساء السودانيات شبكات إغاثة واسعة وأدرن مجموعات دعم نفسي وأسسن شبكات تضامن عابرة للمناطق، دون أن يظهرن في أي "تمثيل رسمي" للجان. هذا الغياب ليس عرضياً بل بنيوي، وهو يكشف أن التنظيم من الأسفل يمكنه أيضاً أن ينتج هيمنته الخاصة. معيار نجاح الطليعة الشبكية ليس استمرار اللجنة ذاتها، بل قدرتها على جعل نفسها غير ضرورية حين تنهض مؤسسات ديمقراطية حقيقية تمثل الجميع.

في السودان اليوم، المهام الملموسة التي يمكن أن تنمو عليها الطليعة الشبكية واضحة: إدارة ممرات إنسانية آمنة تعبر مناطق سيطرة طرفي الحرب، توزيع المساعدات بشكل لا مركزي وعبر الانقسامات القبلية، توثيق انتهاكات حقوق الإنسان وفضح المتورطين محلياً ودولياً، إنشاء شبكات تعليمية وطبية بديلة في مناطق النزوح، دعم النساء في قيادة مخيمات الإيواء، تنظيم حملات لمقاطعة الذهب المهرب، إنشاء تعاونيات زراعية تعبر حدود القبائل. هذه المهام لا تحتاج إلى حزب طليعي مركزي، بل إلى إرادة جماعية ومنهج مشترك وأدوات تواصل آمنة. حين تنجح لجنة في نيالا في إدخال دواء إلى حي محاصر بغض النظر عن قبيلة أهله، فإنها تكسر الأوراكل القبلي بالممارسة. حين تكتشف لجنة في بورتسودان أن شحنة قمح توزعها جهة دولية تذهب معظمها لمسؤولين ونخب، وتوثق ذلك وتنشره، فإنها تكسر أوراكل "المساعدات الإنسانية الشريفة".

أما الذين ينتظرون "اللحظة الثورية" الكبرى، التي يسقط فيها الأوراكل دفعة واحدة ويستلم الحزب الطليعي السلطة، فإنهم ينتظرون حلماً لا يتحقق. الثورات الحقيقية تحدث عبر تراكم الخروق الصغيرة، حتى يصبح الأوراكل سخيفاً في عيون الجميع، وحتى تصبح ممارسة التضامن الأفقي هي الأمر الطبيعي الجديد. حين تصل لحظة كهذه، يكون الأوراكل قد انهار من الداخل، ولا يحتاج أحد إلى سحله من على كرسيه. أوكونكو قتل نفسه لأنه رأى أن الأوراكل لم يعد قادراً على توحيد الجماهير كما كان يفعل، لكنه لم ير بديلاً. كان يبحث عن قائد جديد، عن حزب جديد، عن أوراكل جديد، فلم يجد. اليوم، بديل الأوراكل ليس قائداً جديداً ولا حزباً ثورياً ولا أيديولوجيا شاملة، بل شبكات من الممارسات الجماعية التي تثبت أن الفقراء يمكنهم تنظيم أنفسهم بأنفسهم.

التشاؤم بالعقل والتفاؤل بالإرادة. العقل يقول إن التنظيم الأفقي بطيء وفوضوي، وأن خطر تحوله إلى إغاثة فقط أو إلى إمارات نفوذ محلية حقيقي. لكن الإرادة ترى أن اللجان قادرة على التعلم من أخطائها، وأن كل لجنة تنجح في توزيع الخبز بعدل هي انتصار صغير يتراكم، وكل شبكة تتسع لعضو جديد هي نصر لا يمحى. الطليعة الشبكية ليست نموذجاً جاهزاً يُطبق، بل هي إطار للتجريب المستمر. هي ليست حلاً سحرياً، بل هي معركة يومية شاقة في ظروف لا تحتمل الكمال. لكنها المعركة الوحيدة التي يمكن خوضها بشروط الفقراء لا بشروط النخبة، وهي المعركة التي لو انتصرت، ولو جزئياً، لأنهت هيمنة الأوراكل الذي قتل أوموفيا ولا يزال يقتل السودان.

النضال مستمر،،

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن