حلوين من يومنا والله

عماد أبو حطب
2026 / 5 / 28

حلوين من يومنا*



1/ سينما الحيفاوي الذي يبيع الظلال
في حيفا، كان صاحب السينما يعلّق ظلال الناس على الحبال بدل الغسيل ، كل من يدخل لمشاهدة فيلم مصري يعود ناقص ظلًّا صغيرًا يتركه قرب المقاعد الخشبية،وفي آخر الليل، كانت الظلال تتحرك وحدها، تقلّد الممثلين، وتعيد المشاهد بصمتٍ أكثر صدقًا من الشاشة نفسها.ذات مساء، خرجت امرأة من فيلم لعبد الوهاب ولم تعد إلى بيتها.
قالوا إنها ذابت داخل أغنية.لكن بائع الكعك قرب الميناء أقسم أنه رآها كل خميس تجلس في الصف الأخير، بينما كانت السينما تعرض فيلمًا لم يُصوَّر بعد، وفي المدينة، لم يكن أحد يخاف الحرب بقدر خوفه من أن تُطفأ آلة العرض إلى الأبد.

2/المسرح الذي يبتلع الممثلين

في القدس، كان المسرح الحجري قرب السوق يمتلك شهية غريبة، كل ممثل يبالغ في الكذب على الخشبة، يختفي قليلًا داخل الستارة الحمراء، مرةً، وقف ممثل يؤدي دور سلطان عثماني ، ضحك الجمهور لأن شاربه كان يسقط كل دقيقة، لكن المسرح غضب.
وفي منتصف التصفيق، ابتلع الرجل حتى ركبتيه.
منذ ذلك اليوم صار الممثلون أكثر صدقًا ،يبكون فعلًا حين يبكون، ويضحكون بقلوب مرتجفة، كأن الخشبة قاضٍ قديم يعرف أسرارهم، أما الأطفال، فكانوا يأتون فقط لرؤية المسرح وهو يتنفس تحت الأقدام مثل حيوان أسطوري نائم.

3/مكتبة يافا التي تغيّر نهايات الكتب

في يافا، كانت هناك مكتبة لا تثبت فيها النهايات ، الروايات الروسية تنتهي بأعراس فلسطينية، وكتب التاريخ تستيقظ منها شخصيات ميتة لتطلب القهوة.كل قارئ يجد نسخة تختلف عن نسخة جاره.
حتى القرآن المجلّد بالأخضر كان يبدّل أماكن بعض الذكريات لا الآيات، احب ابي المكتبة لأنها تمنحه فرصة ثانية للحياةكان يردد وهو في مخيم صبرا" ان الصياد الذي غرق ابنه وجده حيًا في فصلٍ إضافي، والمعلمة التي مات خطيبها قرأته يعود من بيروت حاملًا وردًا بريًا"، وحين بدأت البلاد تضيق بالخوف، اختفت المكتبة كاملة، لكنه هو و أعمامي ما زالوا يفتحون كتبهم القديمة ويعثرون على رمل بحري بين الصفحات.

4/ عازف الكمان الذي تستجيب له الأشجار

في الناصرة، كان عازف كمان يجلس قرب المقهى الثقافي مساء الجمعة ، كلما عزف مقطوعة أوروبية، تميل أشجار التين نحوه قليلًا.المثقفون يناقشون الشعر والسياسة والسينما، بينما الأشجار تصفق بالأوراق ، وكان النادل يضع فنجان قهوة إضافيًا لطائر لا يراه أحد.ذات ليلة، عزف الرجل لحنًا حزينًا جدًا، فبدأت المقاعد تتحرك وحدها، كأن الغائبين عادوا ليجلسوا مجددًا، ضحك الناس أولًا، ثم بكوا دون سبب مفهوم، في الصباح، وُجد الكمان معلّقًا على غصن زيتون، فيما بقي اللحن يدور فوق المدينة مثل حمامة لا تعرف أين تهبط.

5/الصحيفة التي تنشر أخبار الغد

في يافا عمل جدي في مطبعة صغيرة كانت كما يقول :"تُصدر جريدة تصل قبل الأحداث بيوم كامل" الناس يقرؤون عن شجار لم يقع بعد، أو عن عرض مسرحي لم يُكتب نصّه.في البداية اعتبرهاخدعة صحفية، لكن بائع الجرائد صار يخاف من نفسه ، كان يصرخ بالعناوين بينما يرتجف كأنه يحمل لعنة، وحين نُشر خبر اختفاء مدينة كاملة، توقفت الرجال عن شراء الجريدة، حتى الحبر بدا خائفًا ، أما الأطفال فقصّوا الصور وصنعوا منها طائرات ورقية، وكأن المستقبل لعبة يمكن رميها فوق الأسطح.

6/المقهى الذي يدخله الشعراء ولا يخرجون كما كانوا

في غزة، كان هناك مقهى ثقافي تضيئه مرايا طويلة، كل شاعر يدخل يرى نسخة أخرى من نفسه خلف الزجاج ، واحد يرى نفسه عجوزًا يبيع البرتقال،وآخر يراه بحّارًا غارقًا، وثالث يراه بلا وجه.
لذلك أصبحت القصائد أكثر غرابة: قصائد عن أسماك تحفظ أسماء البشر، وعن قطارات تمرّ تحت البحر، وعن نساء يحكن الليل بالإبر.
صاحب المقهى لم يقرأ الشعر أبدًا، لكنه كان يعرف متى تكون القصيدة جيدة:حين ترتجف الملاعق وحدها فوق الطاولات.

7/ راقصة السينما التي تتكاثر في المرايا

في سينما صغيرة برام الله، كانت الراقصة على الشاشة تنقسم إلى نسخ كثيرة كلما صفق الجمهور.
نسخة تضحك، نسخة تبكي، نسخة تهرب خارج الفيلم وتمشي بين المقاعد.
مرةً، جلس أحد النسخ قرب فلاح عجوز وأكلت معه بزر البطيخ.
لم يفزع أحد.
فالناس آنذاك اعتادوا أن تتداخل الحياة بالفن كما يتداخل المطر بالغبار.
لكن عامل آلة العرض أقسم أن النسخ كانت تزداد كلما اقتربت البلاد من الحزن، كأن السينما تحاول تعويض البشر عن شيء لا تستطيع تسميته.
٨. الفرقة الموسيقية التي تعزف للبيوت
في اللد، كانت فرقة موسيقية تجوب الأزقة ليلًا.
لا تعزف للناس، بل للبيوت نفسها.
البيوت المتعبة يخفّ عنها التشقق، والنوافذ القديمة تستعيد لمعانها قليلًا.
حتى الجدران التي شهدت شجارات عائلية تصبح أكثر هدوءًا.
وكانت بعض البيوت تطلب أغنيات معينة.
بيت التاجر يحب الطقاطيق المصرية، وبيت الأرملة يريد مواويل جبلية طويلة.
مرةً، عزفت الفرقة أمام منزل مهجور، فاشتعلت الأنوار داخله وحدها، رغم انقطاع الكهرباء عن الحي كله.
٩. الرسام الذي يرسم المدن قبل اختفائها
في عكا، عاش رسام لا يرسم الوجوه أبدًا.
كان يرسم الأزقة والمقاهي والمسارح فقط.
لكن لوحاته كانت خطيرة.
كل مكان يرسمه يصبح أكثر هشاشة، كأن الرسم يسرق منه عمره الحقيقي.
قال له الأصدقاء: ارسم البحر بدل المدن.
لكنه رفض، لأن البحر لا يختفي بسهولة.
وفي آخر معرض له، رسم بابًا حجريًا ضخمًا.
اقترب الناس من اللوحة فسمعوا أصوات سوق قديم وروائح قهوة وصراخ باعة.
وحين عادوا في اليوم التالي، اختفت اللوحة وبقي الباب وحده مفتوحًا على فراغ أبيض.
١٠. المدينة التي خبّأت أصواتها في الأسطوانات
قبل النكبة بقليل، بدأت المدن الفلسطينية تخاف من النسيان.
فصارت تخبّئ أصواتها داخل أسطوانات الغرامافون.
ضحكات المقاهي، تصفيق المسرح، أغاني الأعراس، نداءات الباعة، وحتى همسات العشاق على الكورنيش.
كان الناس يظنون أنهم يحفظون الموسيقى فقط، لكن المدن كانت تحفظ نفسها.
وبعد سنوات طويلة، حين يدير أحدهم أسطوانة قديمة في بيت بعيد، تستيقظ مدينة كاملة لثوانٍ قليلة:
نافذة تُفتح، ممثل يراجع نصّه، طفل يركض نحو السينما، وامرأة تشتري الياسمين قبل العرض المسائي.
ثم يعود كل شيء إلى الصمت، كأن الحياة كانت حلمًا طويلًا يعرف أنه لن يكتمل.

*هكذا كان يتذكر والدي يافا وقد غادرها عام 48 بعد ان نجح في شهادة الماترك وكان يحلم في دخول الجامعة لكن النكبة اوصلته الى مخيم صبرا في بيروت.

** من نصوص مجموعة جديدة مليئة بتخيلات أعمل على تجميعها بانتظار ناشر في مكان أو زمان ما يوافق على نشرها.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن